نسوان حارتنا
الكاتب: د . عدنان ملحم
في الثامن من آذار من كل عام، يستيقظ العالم فجأة ليكتشف كائنًا لطيفًا اسمه المرأة. تتزاحم الخطب، وتزهر الكلمات الناعمة، وتبرز بشكل لافت مناسبة تسمى اليوم العالمي للمرأة. تتكاثر فيها : المؤتمرات، والندوات، والبيانات، والورش، والصور، والتقارير، واللافتات، وتلمع المصطلحات الثقيلة: “التمكين”، “المناصرة”، “النوع الاجتماعي”. وتتصدر المشهد كوكبة من النشيطات والنشيطين، والمؤسسات، والاتحادات، والوزارات التي تمتلك مساحة من الاهتمام بشؤون المرأة.
كل شيء يبدو مرتبًا: منصة، وميكروفون، وقاعة مكيّفة، وكلمات طويلة عن المرأة. لكن المشكلة الصغيرة — وربما المضحكة قليلًا — أن المرأة التي يتحدثون عنها لا تعرف أو تهتم بهذه الذكرى أو المناسبة، ولا تحضر أو تتابع الاحتفالات بها أصلًا. فهي تتواجد في مكان آخر تمامًا: في الحقل، في المطبخ، في المستشفى، في البيت، في العمل، أو في طريقها إلى المدرسة مع أطفالها. لا تعرف شيئًا عن هذا اليوم، ولم تسمع بالورش ولا بالبيانات. ولو سمعته ربما لابتسمت وهي تقلب القدر على النار وتقول: " طيب وبعدين ؟”.
رشيدة واحدة من هؤلاء. تزوّجت وهي في الخامسة عشرة، وأنجبت خمسة أولاد وأربع بنات. كبرت عائلتها كما تكبر شجرة زيتون في أرض قاسية. تستيقظ قبل الضوء، حين يكون الفجر ما يزال يتثاءب فوق الحقول. تذهب إلى الأرض؛ تزرع وتعشب، تقشّقش الشوك، وتنـكش التراب بيديها. ثم تعود لتبدأ نهارًا آخر: تحلب، تجبّن، تطعم الحيوانات، تطبخ، تجلي الصحون، تمسح البيت، وتجلس مساءً تتابع دفاتر المدرسة مع أولادها. وبين ذلك كله لا تنسى واجبات الناس: أفراحهم، وأتراحهم، ومواليدهم، وطهور أطفالهم، ونجاحاتهم. لم تقرأ بيانًا عن تمكين المرأة… لكنها تمكّن الحياة كل يوم.
جميلة امرأة أخرى من هذا الوطن.أرملة بثلاثة أبناء شهداء، واثنين يقبعان خلف قضبان السجن. بيتها دُمّر ونُسف، لكن قلبها لم ينهدم. فتحت مطبخها للبلد كلّه؛ تطبخ للناس في مناسباتهم كما لو أنها أمٌّ للجميع. وفي كل اعتصامٍ للأسرى والجرحى تقف في الصف الأول، تحمل صور أولادها وترفعها عاليًا، كأنها ترفع قلبها. لا منصة تكرّمها، ولا مؤتمر يذكر اسمها، لكنها تختصر معنى الصبر الفلسطيني.
أما حسنية ، فقد اعتُقل زوجها وحُكم عليه بثلاثين مؤبدًا وهي في الخامسة والعشرين من عمرها. وجدت نفسها فجأة وحيدة في مواجهة الحياة مع ثلاث بنات وولد. جلست أمام ماكينة الخياطة، وبدأت تخيط أثواب التراث. غرزة بعد غرزة، وسنة بعد سنة، ربّت أبناءها. كبروا؛ صار الابن طبيبًا، وإحدى البنات طبيبة أسنان، والثانية ممرضة، والثالثة مهندسة. لم تحضر ندوة عن “التمكين الاقتصادي”، لكنها نسجته بخيطٍ وإبرة وصبر لا ينفد.
وفي بيتٍ آخر، تعيش فخرية مع ثلاثة أطفال مصابين بالتوحّد. ليلها يشبه نهارها: سهرٌ دائم وقلقٌ لا يهدأ. لا زيارات ، ولا مناسبات، ولا وقت للراحة. المرض ثقيل ومكلف، ولا أحد يراه كما تراه هي. زوجها يقف كل يوم على بسطة خضار في إحدى المدن، وكل ما يجنيه يذهب لعلاج الأولاد. هذه المرأة لا تنتظر تكريمًا… فقط اعترافًا بأن ما تحمله فوق كتفيها يفوق طاقة البشر.
أما أمينة، فقد مرّ بها العمر بهدوءٍ ثقيل.في الخامسة والأربعين تعمل سكرتيرة لدى طبيبٍ مشهور. منذ عشر سنوات وراتبها ألف شيكل، ومنها تدفع مواصلاتها. تجلس خلف مكتبٍ صغير، وتعدّ الأيام كما تُعدّ حبات المطر على زجاج نافذة. لا أحد يذكرها في تقارير العدالة الاجتماعية، ولا في خطابات المساواة.
هؤلاء هنّ النساء الفلسطينيات اللواتي لا تصل إليهنّ بيانات اليوم العالمي للمرأة. نساء يعملن بصمت، ويصنعن الحياة في البيوت والحقول والمطابخ، ويحملن الوطن على أكتافهن دون أن ينتظرن تصفيقًا أو صورةً تذكارية.في هذا اليوم تُقال خطابات كثيرة عن المرأة الفلسطينية… لكن الحقيقة الأكثر غرابة أن المرأة التي تُصنع باسمها هذه الخطب، هي غالبًا آخر من يسمعها.

