نقطة ضوء.. حين صار الطابو دبابة
الكاتب: د. عدنان ملحم
▪️ما أعلنه اليوم بتسلئيل سموتريتش (وزير المالية الإسرائيلي) ويسرائيل كاتس (وزير الدفاع الإسرائيلي) ليس «تعديلات إدارية»، بل انقلاب سيادي كامل على ما تبقّى من اتفاق أوسلو. حين يُمنح جهاز إنفاذ القانون الإسرائيلي صلاحيات العمل في مناطق A وB في قضايا المياه والبيئة والآثار، فهذا يعني أن الاحتلال لم يعد عند الحواجز فقط، بل داخل البلديات، والآبار، ومكبّات النفايات، والمواقع الأثرية—أي داخل قلب الحياة الفلسطينية اليومية.
▪️الأخطر من ذلك هو فتح سجلات الأراضي بعد أن كانت سرّية، وإلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي لغير العرب، ورفع القيود عن شراء الأرض. هذه الخطوات لا تهدف إلى «تنظيم السوق»، بل إلى فتح الضفة الغربية كسوق استيطاني تُنهَب فيه الملكية الفلسطينية عبر المال والضغط والتزوير. هنا لا يجري احتلال الأرض بالقوة فقط، بل تفكيكها قانونيًا.
▪️في الخليل وبيت لحم، تتحوّل الجريمة إلى نزع جغرافي مباشر. نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في الحرم الإبراهيمي والحيّ اليهودي في الخليل إلى الإدارة المدنية، وإنشاء إدارة إسرائيلية خاصة في محيط قبر راحيل، يعني إخراج هذه المناطق من أي سيادة فلسطينية وتحويلها إلى بلديات استيطانية محميّة بالجيش. هذا ليس «خدمة بلدية»، بل هندسة تهويد للفضاء والمكان.
▪️وحين يقول سموتريتش علنًا: «سنواصل قتل فكرة الدولة الفلسطينية»، فهو لا يطلق شعارًا، بل يصف بدقة ما يُنفَّذ: تفريغ الأرض، تفكيك البلديات، وسحب أدوات السيادة الفلسطينية واحدة تلو الأخرى.
▪️وهنا يبرز السؤال الأخطر: أين المنظومة السياسية والوطنية والقانونية من كل هذا؟ إذا كانت الأرض تُسجَّل لدى الإدارة المدنية، والبناء يُرخَّص من الجيش، والمياه والآثار والبيئة تُدار إسرائيليًا، فما الذي تبقّى من «السلطة الوطنية الفلسطينية »؟ نحن لا نعيش نهاية أوسلو، بل استبداله بنظام ضمّ إداري صامت.
▪️ثم يأتي السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: ما العمل؟ هل لدينا أصلًا استراتيجية وطنية لوقف هذا الاجتياح الاستيطاني والقانوني؟ هل توجد خطة لحماية الأرض من التزوير والبيع القسري؟ هل هناك مواجهة قانونية دولية؟ هل هناك تعبئة شعبية؟ أم أن ما لدينا هو مجرد إدارة يومية لانهيار بطيء؟.
▪️وأخيرًا، هل بقي من أوسلو شيء غير الاسم؟ إذا كانت إسرائيل تفرض القانون في مناطق A وB، وتبيع الأرض، وتخطّط وتبني، وتُنشئ بلديات استيطانية، فأي «حكم ذاتي» هذا؟ وأي «عملية سلام» بقيت؟
الاحتلال لم يدخل بالدبابة هذه المرة، بل دخل عبر الطابو، والمخططات الهيكلية، وملفات المياه، ودفاتر الترخيص—وهذا أخطر من أي اجتياح.
▪️إسرائيل لا تسعى لاحتلال الأرض فقط، بل لمحو الفلسطيني من الجغرافيا ومن التاريخ معًا. ما يجري هو تفكيك منهجي للمكان والذاكرة والهوية، بحيث يُنزَع الوجود الفلسطيني من معناه، ويُختزل إلى حضور هشّ بلا جذور ولا مستقبل. هذا هو جوهر الحرب اليوم: كسر المشروع الوطني قبل كسر الأرض.

