أقل الكلام: "المومس الفاضلة" في تلك الجزيرة الفاجرة!
الكاتب: إبراهيم ملحم
تفضح المفارقة الصاخبة في "المقال العنوان" ذلك الكم الكبير من الفيديوهات، التي سمحت وزارة العدل الأمريكية بالإفراج عنها، بما تضمنته من أسماء متورطة في الأفعال والسلوكيات المشينة التي مارسوها في تلك الجزيرة الفاجرة.
"المومس الفاضلة" عنوانٌ لمسرحيةٍ كتبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في الأربعينيات من القرن الماضي، انتقد فيها بسخريةٍ لاذعةٍ العنصرية السائدة في النظام الطبقي في الولايات المتحدة.
تجحظ عينيك وتفغر فمك عند سماعك أسماء لقادةٍ وشخصياتٍ يتبوأون مواقع مرموقة في العالم الغربي والعربي، ذلك أنّ تلك الشخصيات تمكنت من التستر خلف ربطات عنقٍ أنيقة وبدلات فاخرة، لتواري بها سوأتها من الفضيحة المدوية التي هزت الكون، وهي الشخصيات ذاتها التي نصّبت نفسها حارسةً على القيم والأخلاق، وترفض زواج القاصرات، وتحث على حقوق الأطفال، وترفض الاتجار بالبشر، لكنها تمارس نقيض كل تلك الشعارات في تلك الجزيرة الباغية.
جزيرة إبستين أجابت عن العديد من الأسئلة الحائرة إزاء ما تعرض له الأطفال من قتلٍ وترويعٍ وتجويعٍ في غزة، فمَن يهُن يسهل الهوان عليه.. ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ.
كانت الجزيرة الباغية بمثابة غرفة عملياتٍ غير معقّمة، جرى فيها استئصال الضمائر والأخلاق ممن هم في مراكز القرار العالمي، أو من يتوسم فيهم أصحاب الجزيرة بعلو الشأن والارتقاء إلى مواقع القرار في المستقبل، ليظلوا رهائن تلك الأفعال المشينة عندما يطلب منهم اتخاذ قراراتٍ تتناقض مع القيم والقوانين والأخلاق.
إن ما كشفته وثائق إبستين ليس مجرد قائمة أسماء، بل إسقاطٌ لورقة التوت التي تستر عورة نظامٍ عالميّ يقتات على التناقض، حيث تُصاغ قوانين الأخلاق في الصباح لتُذبح على قرابين الشهوات في المساء. فالجزيرة الملعونة لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت المختبر الذي يُفحص فيه مدى استعداد "النخبة" للتخلي عن إنسانيتها مقابل الوصول إلى سدة الحكم، ما يفسر لنا اليوم "المعايير المزدوجة"، وتلك البرودة الجليدية التي تُقابل بها أشلاء الأطفال في غزة،
فمَن اعتاد استباحة البراءة سراً، لن يرتجف له جفن وهو يراها تُباد علناً.

