المقاومة بين المشروعية والشيطنة !!
الكاتب: أحمد صيام
اختلطت الاوراق ، وتشتت الافكار ، وتبعثرت الكلمات ، بُعيد عملية طوفان الاقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية ، بقيادة حركة حماس في السابع من تشرين اول ( اكتوبر ) الماضي ، تلك العملية التي وُصفت بالنوعية والجريئة وغير المسبوقة في تاريخ النضال الفلسطيني والصراع العربي الاسرائيلي ، وما تبعها من ردة فعل اسرائيلية وحشية طالت البشر والحجر وجميع مناحي الحياة في قطاع غزة .
ولعل الخسائر الفادحة التي لحقت بالقطاع والذي بات مكانا غير قابل للحياة ، ولا يصلح لاي من الكائنات وتتهدده الآفات البيئية في كل جانب ، والاوبئة المختلفة ، ونزوح مئات الالاف من السكان هربا من موت الى موت مؤجل ، ناهيك عن انتشار تجارة الحرب والجشع والطمع والاستغلال الصريح دون اي وازع وطني او انساني ، ومن قبل ديني ، ما تسبب باضطراب وارباك في الحالة الفلسطينية والعربية المتخاذلة والدولية ، فتباينت ردود الفعل ما بين مؤيد للمقاومة وصمودها الاسطوري المستمر منذ اكثر من عشرة شهور، وفشل جيش الاحتلال بكل قوته وجبروته حتى اللحظة من تحقيق اهدافه بالقضاء عليها، وما بين المُعارضة لعملية الطوفان في ظل الخسائر الفادحة التي لحقت بالقطاع ، وما تبعها من استهداف مباشر يجري حاليا في مخيمات الضفة العربية خاصة " نور شمس وطولكرم وجنين وشعفاط وبلاطة والفارعة وغيرها " ، اتُبع باجراءات تعسفية لشتى مناحي الحياة في مدن الضفة الغربية والقدس ، وما بين حالة السخط لدى الرأي العام العربي والغربي الرسمي لنجاح المقاومة في الصمود ، في تبيان اتضحت معالمة علنا بين الغث من السمين وسقوط القناع عن الابتسامة المتلونة والتي يختبىء خلفها غضب وخشية من وصول الطوفان الى كياناتهم ، وخاصة العربية ، الهشة اساسا وجرفها وزعزعة الاوضاع ، ما دفعها الى مساندة دولة الكيان – سرا وعلنا احيانا - في عدوانها بشتى الاشكال والصعد لالحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية ووأد اية أفكار او توجهات ، قد تقود الى ثورة الشعوب وتمردهم على الظلم وبالتالي زوال سطوة الحكام مسلوبي الارادة .
وسائل الاعلام بكافة انواعها وألوانها الفكرية ، عجت بالتصريحات والتحليلات والتعليقات والدعوات ، وفي معظمها كانت حول عملية الطوفان ونتائجها ومفاعيلها وتبعاتها وتضخيم قوة المقاومة ووسائلها في محاربة الاحتلال ، وكانها قوة عظمى ، واخرى انتقدت هذه العملية وألقت باللوم عليها للخسائر الفادحة ، ولكنها خلت من السرد التاريخي للصراع الممتد منذ أكثر من قرن ، والشعب العربي الفلسطيني يكابد الويلات تلو الويلات واحتلال تلو احتلال ، وتُرتكب بحقه جرائم تندى لها البشرية ، ومن نكبة الى نكسة وهجرة الى نزوح ومن حرمان من ابسط الحقوق الانسانية الى يأس وإحباط من مستقبل قاتم ، الامر الذي يضع على الطاولة مجموعة من التساؤلات واهمها : هل يحق لشعب يخضع للاحتلال ان يمارس المقاومة لاستعادة حقوقه السليبة ؟ ما هو المباح وما هو المحظور في ممارسة المقاومة ؟ كيف تكون المقاومة ومتى وأين ؟ وهل المقاومة وسيلة أم غاية ، خاصة وان نتيجتها في أغلب الاحيان الجلوس على مائدة المفاوضات ؟
المقاومة حق مشروع كفلته القوانين الالهية والتشريعات الدولية على مر التاريخ ، ومحاولات تجريدها من شرعيتها مخالف لهذه اللوائح والقوانين ، ومحاولات شيطنتها او تجريمها او وسمها بالارهاب ، تجسيد للظلم والاستبداد بحق الشعب الذي يناضل ويقاوم لاسترداد حقوقه ، والتاريخ حافل بالحالات التي تُشرعن العمل المقاوم ، ومن دول دساتيرها اكدت على حق المقاومة ، لكنها اليوم تخالف مبادئها بالوقوف الى جانب الظالم ، كامريكا التي جاء في اعلان استقلالها عام 1776 نص صريح يؤكد على حق المقاومة ضد الهيمنة الاستعمارية ، وفرنسا التي ورد في اعلانها لحقوق الانسان والمواطن الفرنسي عام 1789 ، الحق الكامل في في مقاومة الظلم والاستبداد ، وتتويجه بميثاق الامم المتحدة بتشريع المقاومة وصولا الى تقرير المصير والمساواة بين الشعوب .
المقاومة بكل اشكالها يجب ان تلتزم بالبعد الاخلاقي والانساني ، ومحاولات قمعها يجب ان تكون بالمثل ، ولكن في الحالة الفلسطينية يختل الميزان ، ويميل لصالح الظالم ، وتتبدل المواثيق واللوائح ، ليسود الباطل ويغيب الحق ، وتجد من شَرعن العمل المقاوم يقوم بدعم واسناد الباطل على حساب اصحاب الحق الشرعيين ، ويُمارس بحق المقاوم شتى اصناف الظلم والعذاب ، وتغيب العقلانية في معالجة الامور، في محاولة لاستسلام الشعب المظلوم ، ما يشكل دافعا لتأجيج العمل المقاوم وتتناقله الاجيال فيما بينها وتعمل على رفع وتيرة حدته مهما كلف الثمن ، لان المبتغى هو الحرية وتقرير المصير .
المقاومة الفلسطينية وعلى مرالتاريخ ومنذ عهد الانتداب البريطاني عام 1917 وهي تخوض جولات عديدة من النضال والكفاح ، نجحت في مواطن واخفقت في اخرى ، فاوضت وحققت ، ولكن كان الخذلان يحيط بها اغلب الاحيان واقوى من تيارها في مُخالفة صريحة وواضحة لكافة القوانين واللوائح المُشرعنة للمقاومة ، وتُوجت هذه المقاومة بعملية طوفان الاقصى لتكون الصاعق الذي فجر كل التراكمات الممتدة على طول سنوات الاحتلال والتنكر لكافة القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ، وليُبين للعالم اجمع الممارسات والانتهاكات الاسرائيلية بحق البشر والحجر والشجر في فلسطين ، ودقت ناقوس الخطر الداهم من دولة الكيان الخارجة عن القانون على مرأى ومسمع العالم الذي يغض الطرف عن ممارساتها الوحشية والتي ما كانت لتوغل في عدوانها لولا حالة الضعف المحلية والخذلان العربية والنفاق الدولية ، ولكن بالرغم من ذلك كله ، فقد اعاد الطوفان للقضية الفلسطينية بريقها ومشروعيتها لافتا نظر العالم الى قضية شعب يكابد من ويلات الاحتلال ويسعى الى الحرية والاستقلال للكف عن الكيل بمكيالين وحصرالتعامل معها بالبعد الانساني ، والتنبه لحقيقة ومخاطر ووحشية المشروع الصهيوني الذي تتبناه دولة الكيان ، والذي لا تقف حدوده عند فلسطين وحسب انما الى المنطقة برمتها ، وعقيدته القائمة على القتل والتدمير والتخريب لتحقيق اهدافه حسب ما يجري الان ومن قبل في قطاع غزة والضفة الغربية وسائر اراضي دولة فلسطين المحتلة .
ولأجل التصدي للمشروع الصهيوني وداعميه لا بد من قيادة حكيمة قادرة اعادة تقييم الحالة النضالية الفلسطينية وتمتلك الخبرة في ادارة الازمات ، ولديها المقدرة على رسم الاستراتيجيات المبنية على رفع الوعي الوطني والحس الامني ، ومن ثم الانتقال الى تقييم العمل المقاوم بين الكل الفلسطيني والاتفاق على الاسلوب الانسب للمقاومة سواء في الضفة او غزة حسب الاوضاع المواتية ، حتى لا تكون تحت وطأة "الشيطنة والتجريم" الذي يسعي الاحتلال وأعوانه الى وسمها بها ، وقبل ذلك كله تجسيد الوحدة الوطنية الحقيقية والقرار الواحد وانتقاء قيادات ميدانية تعبر عن الحالة النضالية بشكل حقيقي ، وليس الوقوف موقف المتفرج والاكتفاء ببيانات الادانة والاستنكار .

