قصر القاسم.. من ماضٍ لا يذكر، إلى حاضرٍ لا يُنسى
نابلس- رايــة-
فراس أبو عيشة-
حين تطأ قدماك ساحة ذلك القصر التراثي العثماني الفلسطيني، تستنشق رائحة عبق الماضي وعبق التراث القديم، فحجارة القصر ومعالمه وقببه التي تكاد أن تسقط هي الهوية الشاهدة على حضارة فلسطينيَّة قديمة، ووجود حضاريّ وتراث يمتازٌ بالعراقة والقِدم، فعلى أرض فلسطين وُلدت تلك الحضارة والهوية والتراث.
إنه "قصر القاسم" الذي يقع في قرية بيت وزن غرب مدينة نابلس، التي تبلغ مساحتها حوالي 3700 دونم، بِعدد سكان يفوق الـ1300 نسمة، معظمهم من عائلتي عبد الحق وأبو عيشة.
تاريخ القصر
يعتبر قصر القاسم من أجمل القصور في معماريته الداخلية، ولكنه من الخارج، فهو بناءٌ عادي لا يتسم بالفخامة أو العظمة، بل ما يُميزه طابعه الدفاعي الذي يتوافق مع طبيعة المكان والزمان الذي بُني فيه، فقد شيده الشيخ قاسم الأحمد عندما كان حاكماً لمنطقة جبال نابلس إبان العهد العثماني عام 1820.
وشُيد القصر على أرضٍ تبلغ مساحتها 720 متراً مربعاً، يحوي ثلاثة طوابق مُقامة على عقود تحت الأرض، فمدخل القصر الرئيسي الذي يقع في الجهة الشمالية، مقوسٌ كبير، يُطل على الطابق الأرضي، يُدخلك إلى ساحةٍ سماويةٍ مكشوفةٍ، فيها غرفٌ للمحكمة، والمساجين، والمشنقة، وأمامها أواوينٌ فواحة، ومصاطب حجرية، وبواباتٌ زُجاجية.

ويحوي الطابق الأول على مقر إدارة الحكم، وغرف للنوم، وأما الطابق الثاني فهو مكان إقامة عائلة الشيخ، ومكونة من خمسة أجزاء منفصلة للسكن، والطابق الثالث هو علية الشيخ، وإيواناً له، ويمتاز بنوافذه المقوسة.
وأما سطحها فهو على نظام القباب، وحُجارة القصر كما يروي أهالي قرية بيت وزن، فهي قد جُلبت من قلعة الجنيد القريبة من القصر، والتي هُدمت بأمر من قبل والي الشام خلال حروبه، وأما قصارة الجدران كانت تتألف من الشيد والليف، ومن ثم تعجن بالزيت بدلاً من الماء.
ظلمٌ واستبدادٌ من حاكم القصر
يقول حارس القصر ياسر خليل "كُنا نجلس مع أجدادنا وكبار السن، ويُحدثوننا عن تاريخ القصر وصراعاته، فكان حاكم القصر وأعوانه يستبدون من سكنوا القرية بالقوة، ويمنعونهم من إدخال قوتهم اليومي إلى منازلهم إلا بعد الإذن من شيخ القصر، ودفع الضريبة التي يفرضها الشيخ عليه، ومن يُخالف تلك الأوامر، ويدخل قوته إلى المنزل دون علم الشيخ، فيكون له جزاءً من العقاب".
ويُضيف "لم يقتصر الأمر على هذا الحد فحسب، فالنساء عندما يحتجن إلى الماء، يذهبن إلى إحضار الماء عبر أواني الفخار من إحدى ينابيع القرية، لعدم توفر الماء داخل القصر، وعند عودتهم، تحضر المياه جزء من النساء إلى غرفةٍ جدرانها مُقوسةٍ، لسقاية الخيل، وجزء آخر من النساء يعملن في قاعة تُسمى {الطاحونة}، لطحن الطعام، وإعداده".

ومن يرفض أوامر شيخ القصر، ويعصيه، ولا ينصاع لها، فكان الشيخ يضعه في غرفة تُسمى "السجن"، ويتلقى فيها العذاب والأعمال الشاقة، وينقله إلى بعض القرى التي كانت تُبنى القصور فيها، وآخرون ينقلهم إلى حي "حبس الدم" في منطقة البلدة القديمة بنابلس، ويُنفذ بهم حُكم الإعدام، والتي عُثر فيها بالانتفاضة الثانية عام 2000 على جُثثٍ وجماجم تعود إلى عصر الشيخ قاسم، وغيره ممن كانوا يحكمون المنطقة.
ويروي خليل قصة رواها أحد كبار السن في القرية "في عهد الشيخ قاسم، بنى أحد سكان القرية منزلاً له، وحاول أن يجعل عُلوه كعُلو القصر، فعارضه شيخ القصر بِحُجة أنَّه لا يوجد شخص يعلو على القاسم وقصره".
مركزٌ للدراسات الجامعيَّة
ويقول الدكتور علي عبد الحميد من جامعة النجاح الوطنية "هذا المبنى يمُثل العمارة العثمانية الفلسطينية، فالقصر كان مقراً للشيخ قاسم الأحمد، وسكناً له ولعائلته، وأكثر ما يُميز القصر هو الغرفة السماوية، والتي كان يُطل منها الشيخ قاسم للإشراف على القصر، ومراقبة ما يدور ويحصل فيه، وهو المكان الذي أخذ منه الشيخ قاسم مكاناً للإقامة فيه".

وعن دور الجامعة، يُوضح "رممت جامعة النجاح الوطنية كامل القصر في عام 2003 بدعم من "سيدا"- الوكالة السويدية للتنمية والتعاون الدولي، وبالتعاون مع "رواق"- مركز المعمار الشعبي، وحضرنا إليه بشكلٍ رسمي في مطلع عام 2004، واستخدمنا القصر بما يرتبط ويتلاءم مع طبيعة المبنى، فجعلنا منه مركزاً لدراسات الحفاظ، والترميم، والإحياء الحضري والمعماري، وجزء منه يستخدم لوحدة التخطيط الحضري والإقليمي التابع للجامعة".
من ذاكرة النسيان إلى مزار للوافدين
وعن تاريخ الاستدلال على قصر القاسم، يقول مدير دائرة العلاقات العامة في جامعة النجاح الوطنية خالد مفلح لـ"رايــة": "كانت زيارتنا الأولى لهذا المكان، حينما زارنا في الجامعة وفد من الخبراء الإيطاليين، الذين قاموا بجولة في الضفة الغربية، بدأت من مدينة أريحا، واختتموها بقصر القاسم إلى الغرب من الحرم الجامعي الجديد التابع للجامعة، ورافق الوفد حينها ثلة من الخبراء والأكاديميين في جامعة النجاح الوطنية".
"كان الإيطاليون يسترقون النظرات بكل جزءٍ من أجزاءه، وما انفكوا حتى زاروا وفتشوا كل زاوية فيه، وكأنهم يقولون: "يا لجمال المنظر، ودقة الترميم الذي أذهل عقولنا". يضيف مفلح.

ويُتابع "عاش فريق الجامعة فترة من الزمن وهو يضع الخطط التي سيسير عليها في عملية الترميم، وقُمنا بزيارته ثانية، وكان معنا في تلك الزيارة القصيرة التي لم تشبع رغبتي أنا شخصياً عدد من الزملاء الذين كان لهم حظاً بزيارته قبل هذه المرة، رافقونا بزيارة كل زاوية منه، وكانوا بمثابة الدليل السياحي لنا، كنا ندخل بمكان، ونخرج من آخر".
ويُوضح "ما كان لجامعة النجاح أن تقدم على هذه الخطوة لولا تدهور القصر بشكلٍ جزئي نتيجة الزلازل التي ضربت المنطقة عدة مرات، وما تبعها من إهمال لاحقاً، فرأت الجامعة أن يتم الترميم باستخدام أفضل وأحدث تقنيات الحفاظ والترميم، وأن يمثل القصر نموذجاً لتبني هذه التقنيات في الحفاظ على البلدة القديمة لمدينة نابلس، والمباني المشابهة في فلسطين".
وهدفت الجامعة إلى إعادة بناء الأجزاء الناقصة، التي هي عبارة عن فراغان مقببان في المستوى العلوي، وأن يحتوي الطابق الأرضي على منطقة عرض، ومعلومات، واستقبال، وكافتيريا، وليحتوي الطابق الأول على مكتبة، وبعض غرف الموظفين، وأما الطابق العلوي ليكون غرفة نقاش، وغرف محاضرات، والجزء المتبقي من المساحة غرف للموظفين.

واختتم مفلح حديثه "هكذا أعادت جامعة النجاح الوطنية الحياة إلى مبنى بات أن يكون في عداد الأموات، ليصبح اليوم قصة تحكى، ومزاراً تؤمه الوفود من كل مكان".

