بالصور: العطارة تحفظ عبق التاريخ لنابلس
رام الله- رايــة:
ملاك ابو عيشة- ما أن تدخل ذلك المحل الذي تفوح في ثناياه رائحة الاعشاب الطيبة التي تنعش الانف لشمها، حتى تتمنى لو كان بإمكانك المكوث لاطول فترة ممكنة فيه، للتمتع برائحته العطرة الممزوجة بالعراقة والاصالة والتراث، وفي ارجاء المحل ترى الاعشاب باختلاف انواعها واشكالها موضوعة في سلات قش قديمة صنعها اجدادنا بكدهم وتعبهم واكياس مزخرفة تصطف لتعطي للمكان رونقاً وبهاءاً.
العطارة مهنة تراثية قديمة في مدينة نابلس على مر العصور منذ مئات السنين جربها الأجداد وتوارثها الأبناء والأحفاد ومارسها أهلها، يعلّمها الجد لابنه، ويأخذها الابن من الأب في سلسلة من التجارب ، حيث كان في مدينة نابلس قديما عدد كبير من محلات العطارة التي بدأت بالانحسار حيث لم يبقى منها سوى 3 محلات اغلبها في البلدة القديمة للمدينة ".
باسل عبد الفتاح بريك من مواليد مدينة نابلس ورث مهنة البهارات والعطارة عن والده الذي اسس هذا المحل العريق منذ العام 1936م .
يقول بريك :"ان الاقبال على العطارة قديماً خفيف بسبب محدودية نوعيات الاعشاب التي كانت معروفة لدى الناس، اما اليوم فأصبح الاقبال اكثر من ذي قبل بسبب اكتشاف انواع جديدة من الاعشاب لها فوائد علاجية كثيرة ".
جعل التقدم والتطور التكنولوجي الناس تتعرف على الاعشاب وفوائدها العلاجية، وكذلك الاوضاع الاقتصادية المتردية جعلت الناس يتجهون نحو العلاج التقليدي، ويقول بريك :"ان التقدم والتطور ووجود محركات الانترنت التي جعلت الناس يتعرفون على اعشاب جديدة، واصبح هناك اقبال على العلاج التقليدي بالاعشاب بسبب رخص ثمنه، وكذلك زاد الوعي لدى الناس، واصبح الاطباء يصفون لمرضاهم الاعشاب الطبيعية ".
وارض فلسطين غنية بالاعشاب المفيدة لصحة الانسان فقد حباها الله بمناخ يساعد على نمو مثل هذه الاعشاب ولكن لا غنى عن الاستيراد من الخارج لبعض الاعشاب التي لا تنمو فيها، واشار بريك :"الاعشاب التي نبيعها اكثرها من فلسطين والبعض الاخر نستورده من الخارج مثل : الهند، وباكستان، والصين، واندونيسيا، وماليزيا، ونستلمها بواسطة موردين كبار لهذه الاصناف ونقوم باستيرادها اما على شكل حبوب او جذور او اوراق، ونقوم بطحنها بواسطة الالات التي نملكها ".
ومن المعرف ان لكل مهنة صعوباتها ومعيقاتها التي لا بد من مواجهتها والتغلب عليها، ويقول بريك :"من اهم المعيقات والصعوبات التي نواجهها هي الضرائب الباهظة من الاحتلال الاسرئيلي على المعابر، وكذلك منعهم لدخول مثل هذه الاعشاب الى الضفة الغربية بحكم انها غير معروفة ولا متداولة لديهم فيقومون بإتلافها ".ولكن في المقابل تفرض السلطة الفلسطينية ضرائب مخففةعلى محلات العطارة بحكم انها منتجات زراعية .
ويوجد في المطحنة ركن خاص بالتراث الفلسطيني منذ 15 عاما يزوره الاجانب والعرب لابراز التراث الفلسطيني من كل جوانبه بما في ذلك الاعشاب وادوات الاستعمال اليومي القديمة مثل : ادوات الطهي وطحن الحبوب والتخزين .
ويقول راشد العبوة صاحب محلات العبوة للعطارة والبهارات الذي ورثه عن والده قبل حوالي 50 عاما (1963م) :"ان لكل عشبة فائدة محددة ولكن لا غنى عن استشارة الطبيب " ، ويضيف:" يحصل محلنا على منتجاته بحوالي 60% من مدينة نابلس وقراها وجبالها والبقية نستوردها من الهند والدول العربية مثل : السوس واليانسون من سوريا، والكركدية من مصر ".
وللاماكن القديمة التي يرثها الانسان عن اجداده مكانة وقيمة معنوية كبيرة اكثر من كونها مادية حيث يقول العبوة :"هذا المحل مقدس بالنسبة لي ولن اتركه او اتخلى عنه فهو من رائحة ابي ".

