الثلج الدافئ
الكاتب: رامي مهداوي
بقلم رامي مهداوي
ولدي العزيز...
في لقاءنا الأول بعد أيام من إنتهاء منخفض "اليكسا" أول كلمة واجهتني بها "بدي العب في الثلج"، ضحكت وقلت لك بأن الثلج بارد فأجبتني:" الثلج ما بصير دافئ" استغربت من ردك السريع العميق، ومضينا بطريقنا أحدثك عن الثلج بطريقتي الخاصة:
الثلج لونه أبيض، لكن لا يعني ذلك بأنه مسالم ومخلص ومصدر ثقة، فقد سجلت حالات الاصابة بالكسور بين المواطنين ارتفاعا ملحوظا خلال العاصفة الثلجية وما تبعها من صقيع وانجماد في الشوارع.
يجب التعامل مع هذا الزائر الأبيض بحذر، فالقضية ليست فقط بالبرودة، فهو ناعم لكن جارح، خفيف ثقيل، سريع الهطول بطيء الذوبان، نلعب به فيلعب بنا، يضيء ليلنا الخارجي فنضيء له بيوتنا شمعاً.. حطباً.. سراج.. مدفأة. هذا الزائر مهما حمل لنا الخير، ومهما أعددنا له العدة فهو يعرينا، يكشف عن عوراتنا في البنية التحتية، يقلع ما زرعناه من أشجار ويدمر ما قد أسميناه بناءً.
في المستقبل ستلعب وتصنع ما تريد بالثلج، ستكتشف خطواتك الأولى على الجليد، ستسقط متزحلقاً وتحاول الوقوف مجدداً ثم تتزحلق وتنهض، هناك لا تثق إلا بعضلات فكرك وجسدك لكي تقف مرة أخرى، مُدَّ يدك لمن حولك مساعداً لهم فيما تستطيع أن تقدم لهم؛ فهناك قد تجد عجوزا بحاجة إلى من يشعل لها قناديل ليلها المظلم بوحدتها، وتجد عائلة ما محشورة لا تستطيع الخروج من بيتها فقد أغلق الثلج باب الخروج، وتجد رجل لا يستطيع أن يحمل إسطوانة الغاز بسبب إصابة عاموده الفقري أثناء حمله حقيبة ولده الذي سافر ولم يعود منذ أكثر من خمس سنوات.
لا تنسى بأن الثلج يفتح جروح الماضي كيفما يشاء، ويتركها مفتوحة حتى يعالجها فصل الربيع بأزهاره المختلفة، فقد يفتح الثلج لك جرح ذكرى وطنك المغترب أنت عنه منذ الثلجة الأخيرة عام 1992 أو 1997 أو 2001 أو 2013.... فتمضي بغربتك وحدك كما الثلج يكون وحده في الليل يخشاه البشر، وقد يفتح الثلج جرح إمرأة أحببتها وأحببتك وشربتما معاً نبيذاً أحمر ليدفئ أجسداكما المتعبة المحتاجة لبيت يجمعكما لرسم حلم عائلة المسقبل، لكن الواقع جعل من ذلك النبيذ قصة وداع، وقد يفتح جرح مازال ينزف بسبب فقدانك شخص ما مات دون وداع ولم تستطع المشاركة في جنازته بسبب تراكم الثلوج هنا وهناك.
ولدي خطاب..
للثلج طقوس بالرغم أنه أيام من فصل الشتاء في بلادنا، عليك أن تستمتع به لكي تستمتع بالصيف، كما عليك أن تستمتع بالخريف حتى تعرف معنى الربيع أو العكس بالتأكيد، فالعلاقة هنا متاكملة كما هي الحياة لا تستطيع أن ترسم أيامك كما تريد، عندما تبرد ستحتاج لدفئ وعندما تشعر بارتفاع درجات الحرارة ستتمنى شرب زجاجة ماء باردة. المهم هنا أن تحذر من تقلبات الطقس السريعة فهي أكبر خطر على طريقك بالحياة. في النهاية أتمنى لك شتاء دافئ .... سنلتقي بعد أشهر ونخرج الى الجبال والسهول ونقطف أزهار الربيع...

