هكذا تحرم الشركات الاسرائيلية الفلسطينيين من جني فوائد من السياحة ورحلات الحج
نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" اليوم الاربعاء تحقيقاً صحافياً عن الطرق التي تستخدمها شركات السياحة الاسرائيلية لحمل الحجاج المسيحيين والسياح الاجانب الذين يفدون الى الاراضي الفلسطينية على عدم انفاق اموالهم هناك وانفاقها بدلاً من ذلك في اسرائيل. وهنا نص التحقيق:
"ترتفع شجرة عيد ميلاد ارتفاعها 45 قدما فوق ساحة المهد في بيت لحم، كما أن وسط المدينة تنتشر فيه الزينة المتألقة. بل إن هناك صورة لبابا نويل (سانتا كلوز) وهو يعزف على الساكسوفون.
ولا يشعر نبيل جقمان، وهو شريك في محل للتذكارات يدعى "بيت عيد الميلاد" بروح الأعياد.
ويشاهد هذا الرجل، وهو من الجيل الثالث من صانعي التحف الخشبية، ويبيع تماثيل مصنوعة باليد للطفل يسوع والعذراء مريم، حوالي 200 من الحافلات السياحية تصل يوميا من اسرائيل لزيارة كنيسة المهد، التي لا تبعد سوى خطوات قليلة عن متجره.
لكن السياح تتم مرافقتهم من الحافلة حتى الكنيسة وعند الرجوع للحافلة. ونادرا ما يمنحون الوقت لتأمل المتاجر القريبة، ولا يقضون الليل إطلاقا في بيت لحم.
وقال جقمان، 27 عاما :"مجموع مبيعاتي في امس كان 4,13 دولار. ومتجري في الوسط، لكن الظروف تسوء أكثر فأكثر كل عام. عندنا سياح، ولكن لا نحصل على أرباح".
وبموازاة الصراع السياسي المتواصل منذ عقود على الأراضي المقدسة، هناك معركة حامية بين اسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية، التابعة للسلطة الفلسطينية، حول سوق السياحة المسيحية.
ويبلغ عدد الحجاج المسيحيين سنويا نحو 1,1 مليون حاج- وهم الذين يصفون زيارتهم بان هدفها روحي في الاساس- وهو يفوق حاليا السياحة اليهودية. وكثير من المواقع المسيحية المهمة موجودة في الضفة الغربية، وقد عادت حشود متوالية من السياح بسبب الهدوء الذي ساد اخيراً وتوقف العنف.
وكثير من الحجاج المسيحيين يتناقضون مع صورة المسافرين المتقشفين الذين يبيتون في الفنادق الدينية. هؤلاء الزوار ومعظمهم من الكاثوليك والمسيحيين البروتستانت، ينفقون حوالي 200 دولار يوميا على الفنادق والمطاعم والتذكارات، مقارنة بالمعدل العام لكل السياح الذي يبلغ 140 دولارا، حسب الأرقام الاسرائيلية.
كل هذا يبدو أنباء جيدة بالنسبة الى جقمان، وغيره من التجار الفلسطينيين.
والحقيقة هي أكثر تعقيدا. فمعظم زوار الاراضي المقدسة يصلون بالطائرات إلى اسرائيل وينضمون إلى جولات ينظمها اسرائيليون. ولذلك فإن التجار المحليين لا يربحون بالضرورة حتى من أولئك الذين يزورون الأراضي الفلسطينية.
وتتحرك اسرائيل بشكل هجومي لجلب المزيد من الحجاج الى مهد المسيحية، ويحاول الفلسطينيون زيادة حصتهم من الأموال التي ينفقها الزوار.
وقال أورين دروري، النائب الأول لمدير وزارة السياحة الاسرائيلية: "نحن نركز تركيزا كبيرا على المسيحيين". وافتتحت وزارته "مكتبا للشؤون الدينية" للاهتمام بقطاع الحجاج.
وأطلقت الوزارة الاسرائيلية مواقع ذات توجهات مسيحية على الانترنت، وقناة على موقع "يوتيوب" يمكن للزوار من خلالها تبادل خبراتهم الروحية. كما توفر الحكومة رحلات مجانية لمسؤولين حكوميين وقادة دينيين من اميركا اللاتينية وافريقيا وأوروبا للمساعدة في إثارة الاهتمام من خلال الأحاديث الشخصية.
وخلال العامين الماضيين أنفقت اسرائيل ملايين الدولارات على ترميم المواقع المسيحية في اسرائيل ومحاولة إيجاد مواقع جديدة، مثل ما يسمى "طريق الإنجيل" الذي دشنته اخيراً، والذي يتيح للمشاة وراكبي الدراجات النارية والسيارات السير في الطريق الذي ربما سار فيه المسيح عبر منطقة الجليل.
واعادت اسرائيل هذا العام فتح طريق الوصول إلى ضفاف نهر الأردن الذي يعتقد ان المسيح عمد فيه. وكانت المنطقة قد أغلقت في معظمها باعتبارها منطقة عسكرية، منذ أن احتلتها اسرائيل من الاردن خلال حرب العام 1967.
وفي ما يتعلق بعيد الميلاد، فستعرض اسرائيل نقلا مجانيا بالحافلات إلى بيت لحم لحضور قداس منتصف ليلة عيد الميلاد، ما يتيح للحجاج تجنب فترات الانتظار الطويلة عند الحواجز الاسرائيلية.
كما تسوّق وزارة السياحة الاسرائيلية لبديل عن بيت لحم (الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية) عشية عيد الميلاد- وذلك بدعوة الحجاج والدبلوماسيين الأجانب إلى مدينة الناصرة في اسرائيل، للتمتع بالسوق المسيحية، والمواكب وعرض للألعاب النارية وبابا نويل المرح الذي يحبه الصغار.
ويشكو الفلسطينيون من عزلهم عن السوق التي هيمنوا عليها سابقا. ويقول مسؤولو السياحة الفلسطينيون إن اسرائيل تضع العراقيل امام الزيارات للمناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية، وتشجع التوجه الى مناطق أخرى في الضفة الغربية، مثل موقع التعميد على ضفة نهر الأردن.
وقالت وزيرة السياحة الفلسطينية خلود دعيبس: "لدينا مواقع كثيرة في جانبنا، وتستخدمها اسرائيل لتطوير السياحة إليها، وتترك لنا القطعة الاصغر من الكعكة". وتضيف إن اسرائيل تحصل على 90 في المائة من إيرادات السياحة، وهم يسوقون الأراضي المحتلة على أنها جزء من اسرائيل.
ويحاول الفلسطينيون زيادة حصتهم من السوق، وقد بنوا حوالي 1000 غرفة فندقية العام الماضي. وهناك مخطط للتحديث بكلفة 20 مليون دولار لكنيسة المهد في بيت لحم.
لكن الفلسطينيين يقولون إن اسرائيل تتمتع بتفوق هائل، بسبب سهولة الوصول منها إلى الضفة الغربية وسيطرتها الأمنية. وقد بدأت اسرائيل العام الماضي في السماح لادلاء السياحة الاسرائيليين بإرشاد مجموعات السياح في بيت لحم. ولا يسمح إلا لعدد قليل من الأدلاء الفلسطينيين بالعمل في اسرائيل، كما أن القوانين تنص على أن كل الأدلاء في القدس يجب ان يحملوا الجنسية الاسرائيلية.
وقال زياد البندك، مستشار الرئاسة الفلسطينية للشؤون المسيحية في إشارة إلى كنيسة المهد التي بنيت قبل 1,500 عام: "هم يسرقون سياحنا، لكنهم لا يستطيعون سرقة هذا المكان. ولا يمكن ان تكون حاجا من دون القدوم إلى هذا المكان".
وليس بعيدا عن الكنيسة يوجد فندق "انتركونتيننتال" بيت لحم، وهو قصر عربي سابق تحيط به الزهور والنباتات المكسيكية، ويضم 250 غرفة، كلها محجوزة في الاسبوعين الأخيرين من كانون الأول (ديسمبر). أما خلال باقي العام فإن نسبة الإشغال تحوم حول 60 في المائة، رغم أن التسهيلات المتوفرة يمكن مقارنتها بتلك المتوفرة في الفنادق الاسرائيلية على بعد أميال قيلة في القدس- بل إن الأسعار في الفندق الفلسطيني أقل.
ويقول مسؤولو الفنادق ان السبب هو ان شركات السياحة الاسرائيلية نادراً ما توجه السياح الى بيت لحم ما لم تكن فنادق القدس مليئة.
وقال مدير مكتب "انركونتيننتال" محسن الشويكي: "اكبر مشغلي الرحلات السياحية اسرائيليون، والحركة تبدأ من مطار بن غوريون (اللد)، لذا فان هذه بوابة اسرائيلية".
وليس من الامور المساعدة ان الفندق لا يبعد سوى بضعة امتار عن جدار اسمنتي ارتفاعه 36 قدماً وعن برج مراقبة، وهما جزء من جدار الفصل الاسرائيلي في الضفة الغربية. وقد تعين على زوار بيت لحم منذ ما يقرب من عقد من الزمن أن يمروا عبر حواجز تفتيش عسكرية ليزوروا مسقط رأس المسيح.
وقد حاول اصحاب الدكاكين خفض التوتر - وارسال رسالة سياسية - بتعديل مشاهد المذود التقليدية في عيد الميلاد والتي يبيعونها كتذكارات. ففي النسخ الجديدة يفصل جدار المسيح الطفل عن ملوك المجوس الثلاثة.
ويقول مسؤولون اسرائيليون ان حملتهم لاجتذاب حجاج مسيحيين تفيد كلاً من الاسرائيليين والضفة الغربية.
وقال دروري: "عندما تمطر، فانها تمطر على الجميع. هناك احساس بالمنافسة، ولكنها منافسة صحية وجيدة".
وينظر مسيحيون عرب كثيرون الى المنافسة بعين مريرة، مشيرين الى ان المسيحيين من سكان الاراضي المقدسة الاصليين انكمشت نسبتهم من 20 في المئة في العام 1948 الى 2 في المئة في اسرائيل والضفة الغربية اليوم.
وقال اندريه مبارك، وهو مسيحي انجيلي يعمل دليلاً سياحياً في فلسطين: "معظم هذا الكلام دعاية موجهة الى الغرب. وفي غضون ذلك يجري تجاهل المسيحيين الذين يعيشون هنا والذين انقرضوا تقريباً".
وقالانه حضر في السنة الماضية قداس منتصف الليل عشية عيد الميلاد في بيت لحمولم ير الا دبلوماسيين ووجهاء وصحافيين وسياح".
واضاف: "لم ار اي شخص اعرفه. غادرت بعد 30 دقيقة".

