تشدد وفقر داخلي يدفع تل أبيب نحو التصعيد الخارجي
تواجـه إسـرائيل مرحلة مفصليـة تـتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مـع التحولات السياسية والاجتماعية، في ظل انقسام متسارع بين فئتين تمثلان نموذجين متناقضين للدولة. هذا الانقسام لا يهدد فقط الاستقرار الداخلي، بل يدفع أيضاً نحو خيارات خارجية أكثر تصعيداً، في محاولة لإدارة الأزمات داخلياً عبر أدوات القوة.
دولتان داخل دولة
تعكس المؤشرات الاقتصادية في إسرائيل واقعاً غير متوازن، حيث يتعايش اقتصادان مختلفان في بنية واحدة. فمن جهة، يقود القطاع التكنولوجي المتقدم النمو، مع مستويات إنتاجية مرتفعة ونصيب فردي من الناتج المحلي يُعد من الأعلى إقليمياً، مدعوماً بشبكات بحثية وجامعات قوية.
في المقابل، تنمو شريحة اقتصادية أقل إنتاجية، تعاني من معدلات بطالة مرتفعة وأجور منخفضة، مع انتشار ملحوظ للفقر مقارنة بباقي المجتمع. هذا التباين لا يمثل فجوة مؤقتة، بل يعكس بنية اقتصادية تتجه نحو مزيد من الانقسام، ما يهدد الاستدامة المالية على المدى الطويل.
صعود الحريديم
يشكل الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتشددون) محور التحول الديموغرافي الأبرز في إسرائيل. فمع ارتفاع معدلات الخصوبة لديهم بشكل لافت، يتوقع أن ترتفع نسبتهم تدريجياً لتشكل كتلة سكانية مؤثرة خلال العقود القادمة.
تكمن الإشكالية في أن هذه الفئة ترتبط بنمط اقتصادي مختلف، يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي، مع مشاركة محدودة في سوق العمل، ونظام تعليمي منفصل يركز على الدراسات الدينية. هذا الواقع يضع ضغطاً متزايداً على القاعدة الضريبية، ويعمق الاختلالات الاقتصادية.
هجرة الكفاءات: نزيف صامت
بالتوازي مع التحولات الديموغرافية، تشهد إسرائيل موجة هجرة لذوي المهارات العالية، خاصة من قطاعات التكنولوجيا والطب والأكاديميا. هذه الظاهرة تمثل تهديداً مزدوجاً، إذ تقلص من القدرة الإنتاجية وتضعف القاعدة الضريبية في آن واحد.
ومع تزايد الأعباء المالية، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة لرفع الضرائب، ما قد يدفع إلى موجة هجرة جديدة، في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الأزمة بشكل أعمق.
استقطاب حاد
لم يبق الانقسام الاقتصادي في إطار الأرقام، بل تحول إلى استقطاب سياسي واضح. فالفئات ذات الإنتاجية العالية تميل إلى دعم المؤسسات الديمقراطية واستقلال القضاء، بينما تدعم الفئات المحافظة قوى سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام بما يتماشى مع رؤيتها الدينية والاجتماعية.
هذا الانقسام ينعكس بشكل مباشر على طبيعة الحكم، حيث تتزايد محاولات إعادة توزيع السلطة داخل الدولة، خاصة في ما يتعلق بدور القضاء والضوابط على السلطة التنفيذية.
إعادة تشكيل النظام
قاد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ائتلافاً يضم قوى دينية وقومية متشددة، عمل منذ عام 2023 على الدفع نحو تغييرات هيكلية في النظام السياسي. وتشمل هذه التوجهات تقليص استقلالية القضاء، وإعادة توجيه الموارد بما يخدم القاعدة السياسية للحكومة.
من أبرز هذه الخطوات السعي لفصل منصب المدعي العام عن المستشار القانوني، ما قد يحول هذا الدور إلى أداة سياسية، ويضعف منظومة الضوابط المؤسسية.
أداة لإدارة الأزمة
في ظل التوترات الداخلية، يبدو أن الخيار العسكري أصبح وسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية. فقد استخدمت العمليات العسكرية، بما فيها الحرب على غزة منذ أواخر 2023، كأداة لتعزيز التماسك السياسي.
كما أن التصعيد مع إيران، خاصة في عام 2025، يعكس توجهاً نحو استخدام الصراع الخارجي لإعادة تشكيل المزاج العام، وتحسين موقع القيادة السياسية داخلياً، خصوصاً في ظل استحقاقات انتخابية حساسة.
الدرس الإيراني
تُظهر التجربة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية الإيرانية كيف يمكن لتحول سياسي نحو نظام ديني أن يؤدي إلى تراجع اقتصادي طويل الأمد، مع بقاء النظام السياسي مستقراً رغم التحديات.
المقارنة تثير مخاوف من أن تسير إسرائيل في مسار مشابه، حيث يؤدي تآكل المؤسسات الديمقراطية إلى تغييرات عميقة يصعب عكسها مستقبلاً.
سيناريوهات المستقبل
تشير الاتجاهات الحالية إلى عدة مسارات محتملة خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة:
تراجع تدريجي في الأداء الاقتصادي نتيجة ضعف القاعدة الضريبية.
استمرار تآكل المؤسسات الديمقراطية.
تصاعد الانقسام الاجتماعي والسياسي.
زيادة الاعتماد على القوة العسكرية كأداة سياسية.
هل لا يزال هناك مخرج؟
رغم الصورة القاتمة، لا تزال هناك عوامل قد تعرقل هذا المسار، أبرزها حيوية المجتمع المدني، ودور قطاع الأعمال، خاصة في التكنولوجيا، إضافة إلى الضغوط الدولية.
لكن هذه العوامل تواجه تحدياً كبيراً أمام تسارع التحولات الحالية، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل الدولة ومستقبلها.
خلاصة
لا تواجه إسرائيل أزمة اقتصادية تقليدية، بل صراعاً بنيوياً بين نموذجين متناقضين للدولة: نموذج ليبرالي إنتاجي، وآخر ديني محافظ. وفي ظل غياب تسوية داخلية، يبدو أن هذا الصراع يدفع نحو مسارين متوازيين: تشدد داخلي وتصعيد خارجي، في معادلة قد تعيد تشكيل ملامح الدولة على المدى البعيد.
المصدر: زوايا

