تراجع طويل الأمد في دور القيادات على مكافحة الفساد في البلدان
الشفافية الدولية تطلق نتائج مؤشر مدركات الفساد لدول العالم للعام 2025
أصدرت منظمة الشفافية الدولية نتائج مؤشر مدركات الفساد (CPI) للعام 2025، والذي يقيس مستويات الفساد في دول العالم، بما في ذلك الدول العربية. وأظهرت نتائج المؤشر أن أفضل الدول عالميًا من حيث النزاهة ومكافحة الفساد كانت: الدنمارك، فنلندا، سنغافورة، نيوزيلندا، النرويج، السويد، سويسرا، لوكسمبورغ، هولندا، ألمانيا، وآيسلندا.
في المقابل، جاءت أسوأ الدول عالميًا وفق المؤشر، والتي من بينها خمس دول عربية، وهي: غينيا الاستوائية، كوريا الشمالية، سوريا، نيكاراغوا، السودان، إريتريا، ليبيا، اليمن، فنزويلا، والصومال.
وبحسب نتائج المؤشر، فقد تجاوزت ست دول عربية حاجز الـ50%، وهي: الإمارات العربية المتحدة، قطر، السعودية، سلطنة عُمان، البحرين، والأردن، في حين حصلت ثلاث عشرة دولة عربية على أقل من 50%، وهي: الكويت، المغرب، تونس، الجزائر، مصر، موريتانيا، العراق، لبنان، سوريا، السودان، ليبيا، اليمن، والصومال.
تراجع دور القيادة يقوّض الجهود العالمية لمكافحة الفساد
في وقتٍ تشهد فيه الساحة العالمية احتجاجات عارمة يقودها جيل(Z أي أقل من 25 عاماً) ضد الفساد والتجاهل الخطير للمعايير الدولية من قبل بعض الحكومات، كشف الإصدار الحادي والثلاثون من مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عن صورة مثيرة للقلق تتمثل في تراجع طويل الأمد في دور القيادات على مكافحة الفساد، إلى جانب مؤشرات محدودة على إحراز تقدم.
تشهد وتيرة الفساد تفاقماً على مستوى العالم، حتى في الديمقراطيات الراسخة التي باتت تعاني من تصاعد في وتيرة الفساد في خضم تراجع دور القيادة، وذلك وفقاً لمؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، والذي نُشِر اليوم، حيث يُظهر المؤشر السنوي تقلصاً في عدد البلدان التي حققت درجات أعلى من 80 من 12 بلداً قبل عقد من الزمن إلى خمسة بلدان فقط هذا العام.
كما أن الأنظمة الديمقراطية، التي عادةً ما تكون أكثر قوة في مكافحة الفساد مقارنة بالأنظمة الاستبدادية أو الأنظمة الديمقراطية الضعيفة، تشهد تراجعاً مقلقاً في أدائها. ويمتد هذا الاتجاه ليشمل بلداناً مثل الولايات المتحدة (64)، وكندا (75)، ونيوزيلندا (81)، وصولاً إلى أجزاء مختلفة من أوروبا مثل المملكة المتحدة (70)، وفرنسا (66)، والسويد (80). كما أن هناك نمط آخر مثير للقلق يتمثل في تزايد القيود التي تفرضها العديد من الدول على حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات. فمنذ عام 2012، شهد 36 بلداً من أصل 50 بلداً، من البلدان التي شهدت تراجعات كبيرة في درجات مؤشر مدركات الفساد، تقلصاً في الحيز المدني كذلك.
شهد عام 2025 موجة من الاحتجاجات المناهضة للفساد بقيادة جيل (Z)، تركزت معظمها في البلدان المدرجة في النصف الأدنى من مؤشر مدركات الفساد، والتي ظلت درجاتها في حالة من الركود أو شهدت تراجعاً إلى حد كبير على مدار العقد الماضي. وخرج شباب في بلدان مثل نيبال (34) ومدغشقر (25) إلى الشوارع لانتقاد القادة بسبب إساءة استخدامهم للسلطة، وفشلهم في تقديم خدمات تحقق العيش الكريم وفي توفير فرص اقتصادية.
وقد حذرت منظمة الشفافية الدولية في بيانها حول المؤشر من الصورة المقلقة جراء غياب القيادة الجريئة في مكافحة الفساد عالمياً ما يُضعف من الجهود الدولية لمكافحة الفساد ويحد من إحراز أي تقدم، مخاطراً بتخفيف الضغط اللازم للقيام بإصلاحات في عدة بلدان في جميع أنحاء العالم.
وبدوره، صرّح فرانسوا فاليريان، رئيس منظمة الشفافية الدولية بأن "الفساد ليس أمراً حتمياً لا مفر منه. تُظهر أبحاثنا وخبرتنا بصفتنا حركة عالمية لمكافحة الفساد وجود مخطط واضح لآلية محاسبة السلطة من أجل تحقيق الصالح العام، بدءاً من العمليات الديمقراطية والرقابة المستقلة، وصولاً إلى مجتمع مدني حر ومنفتح. وفي وقتٍ نشهد فيه تجاهلاً خطيراً للمعايير الدولية من جانب بعض الدول، فإننا ندعو الحكومات والقادة إلى العمل بنزاهة والاضطلاع بمسؤولياتهم لتوفير مستقبل أفضل للشعوب حول العالم".
ودعت منظمة الشفافية الدولية في بيانها إلى تجديد القيادة السياسية في مجال مكافحة الفساد، بما يشمل الإنفاذ الكامل للقوانين، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وإجراء إصلاحات تعزز الشفافية والرقابة والمساءلة، إضافة إلى حماية الحيز المدني من خلال وقف الاعتداءات على الصحفيين، والمنظمات غير الحكومية، والمُبلّغين عن المخالفات، والكف عن المساعي الرامية إلى تقييد عمل المجتمع المدني المستقل. وكذلك سد الثغرات السرية التي تسمح بانتقال الأموال الفاسدة عبر الحدود، بما يشمل وضع حد للجهات الوسيطة المهنية وضمان الشفافية بشأن الكشف عن الملاك الحقيقيين للشركات، والصناديق الاستئمانية، والأصول.
تراجع دور القيادة في مواجهة الفساد
في العديد من البلدان الأوروبية، شهدت جهود مكافحة الفساد حالة من الركود الكبير على مدار العقد الماضي. فمنذ عام 2012، سجل 13 بلداً في غرب أوروبا والاتحاد الأوروبي تراجعاً كبيراً في هذا المجال، في حين لم تشهد سوى سبع دول تحسناً ملموساً. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وافق الاتحاد الأوروبي على أول توجيه لمكافحة الفساد من أجل توحيد القوانين الجنائية المتعلقة بالفساد. لكن ما كان من الممكن أن يكون إطاراً صارماً لا يتسامح مطلقاً، تم إضعافه من قبل بعض الدول الأعضاء، بما في ذلك إيطاليا (53)، والتي عرقلت تجريم إساءة استخدام المسؤولين العموميين لمناصبهم. والنتيجة: إطار يفتقر إلى الطموح، والوضوح، والقابلية للإنفاذ.
فيما واصلت الولايات المتحدة (64) مسار تراجعها لتسجل أدنى درجة لها على الإطلاق. ورغم أن التطورات التي شهدها عام 2025، لم تنعكس بالكامل بعد، فإن الإجراءات التي تستهدف الأصوات المستقلة وتقوّض استقلال القضاء تثير مخاوف خطيرة. وبعيداً عن نتائج مؤشر مدركات الفساد، فإن التجميد المؤقت لقانون الممارسات الأجنبية الفاسدة وإضعاف إنفاذه يبعثان بإشارة تدل على التسامح مع الممارسات التجارية الفاسدة، في حين أدى تخفيض المساعدات الأمريكية للمجتمع المدني في الخارج إلى إضعاف الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الفساد. وقد اعتبر القادة السياسيون في أماكن أخرى ذلك بمثابة إشارة إلى فرض مزيد من القيود على المنظمات غير الحكومية، والصحفيين، والأصوات المستقلة الأخرى.
لا يضمن الحصول على درجات عالية في مؤشر مدركات الفساد خلو البلدان من الفساد؛ إذ تساهم العديد من الدول الحاصلة على أعلى الدرجات في تمكين الفساد في بلدان أخرى من خلال تسهيل غسل عائدات الفساد ونقلها عبر الحدود، وهو جانب لا يغطيه المؤشر. على سبيل المثال: تُعدّ سويسرا (80) وسنغافورة (84) من بين الدول الحاصلة على أعلى الدرجات، إلا أنهما خضعتا لتدقيق بسبب تسهيل نقل الأموال غير المشروعة.
تقلص الحيز المدني يقوّض جهود مكافحة الفساد
على مدار العقد الماضي، تصاعد التدخل المُسيّس في عمليات المنظمات غير الحكومية في بلدان مثل جورجيا (50)، وإندونيسيا (34)، وبيرو (30)؛ إذ استحدثت الحكومات قوانين جديدة للحد من الحصول على التمويلات أو حتى لإضعاف المنظمات التي تراقب أداء هذه الحكومات وتنتقدها. وغالباً ما تقترن هذه القوانين بحملات تشويه وترهيب. وفي بلدان مثل تونس (39)، تقلص الحيز المدني من خلال ضغوط إدارية وقضائية ومالية تُقيّد عمل المنظمات غير الحكومية، حتى بدون سن قوانين جديدة مقيّدة. وفي ظل هذه السياقات، يزداد الأمر صعوبة على الصحفيين المستقلين، ومنظمات المجتمع المدني، والمُبلّغين عن المخالفات للجهر بمواجهة الفساد، بينما تزداد احتمالية استمرار المسؤولين الفاسدين في إساءة استخدام سلطتهم. وقد اضطرت فروع منظمة الشفافية الدولية في روسيا (22) وفنزويلا (10) إلى العمل من المنفى بسبب القمع الممارس ضد المجتمع المدني.
لا تقتصر هذه البيئات المُقيّدة على إسكات المنتقدين والجهات الرقابية فحسب، بل تخلق مخاطر حقيقية تهدد من يجرؤ على كشف المخالفات. ومنذ عام 2012، قُتِل 150 صحفياً كانوا يغطون قضايا متعلقة بالفساد في مناطق خالية من النزاع، وقد وقعت جميع هذه الاغتيالات تقريباً في بلدان تعاني من مستويات عالية من الفساد. وتجدر الإشارة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي قتل، بحسب الاتحاد الدولي للصحفيين(IFJ)، أكثر من 230 صحفيًا، في إطار استهداف ممنهج للصحفيين الفلسطينيين الذين يؤدون دورًا محوريًا في كشف الفساد، وإنجاز التحقيقات الاستقصائية، وتوثيق جرائم الاحتلال في قطاع غزة.
النتائج الرئيسية المتعلقة بالفساد العالمي
يصنّف مؤشر مدركات الفساد 182 بلدًا وإقليمًا وفق مستويات الفساد المدرك في القطاع العام، على مقياس يتراوح بين (0) شديد الفسادو (100) شديد النزاهة. ويبلغ المتوسط العالمي 42 من 100، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد، ما يشير إلى اتجاه تراجعي مقلق على المدى الطويل. بينما يبلغ متوسط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 39 من 100، أما متوسط الدول العربية، فتبلغ علامته على مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، 34 من 100.
وتُظهر النتائج أن الغالبية العظمى من الدول ما زالت تفشل في السيطرة على الفساد، إذ حصل أكثر من ثلثي البلدان (122 من أصل 180) على أقل من 50 نقطة. وللعام الثامن على التوالي، تصدّرت الدنمارك المؤشر بدرجة (89)، تلتها فنلندا (88) وسنغافورة (84). في المقابل، سجلت أدنى الدرجات دول تعاني من قمع الحريات وعدم الاستقرار، مثل جنوب السودان (9)، والصومال(9)، وفنزويلا (10).
ومنذ عام 2012، شهدت50 دولة تراجعًا ملحوظًا في درجاتها، من بينها تركيا (31)، والمجر (40)، ونيكاراغوا (14)، في ظل ضعف بنيوي طويل الأمد في منظومات النزاهة مرتبط بالتراجع الديمقراطي، والنزاعات، وهشاشة المؤسسات، وترسخ شبكات المحسوبية. في المقابل، حققت31 دولة تحسنًا ملموسًا، من أبرزها إستونيا (76)، وكوريا الجنوبية (63)، وسيشل (68)، نتيجة إصلاحات مستدامة، وتعزيز المؤسسات الرقابية، وتوسيع رقمنة الخدمات العامة، وتحسين كفاءة الخدمة المدنية.
ويُذكر أن مؤشر مدركات الفساد، الذي أُنشئ عام 1995، يُعد المرجع العالمي الأبرز لقياس فساد القطاع العام، ويعتمد على بيانات من13 مصدرًا دوليًا موثوقًا، تعكس آراء خبراء ورجال أعمال، مع مراجعة دورية لمنهجيته لضمان دقتها، وآخرها عام 2017، علمًا بأن جميع نتائجه منذ2012 قابلة للمقارنة سنويًا.
على الرغم من عدم إدراج فلسطين في المؤشر: استمرار ضعف نزاهة الحكم
أما فلسطين، والتي لا يتم إدراجها في المؤشر لأسباب موضوعية، فقد أشارت تقارير ائتلاف أمان واستطلاعات رأي المواطنين حول واقع الفساد ومكافحته، والتي نُفذت خلال العام 2025، إلى أنه بالرغم من توفر تشريعات فلسطينية كافية لمكافحة الفساد، وتبنّي الحكومة الفلسطينية استراتيجية وطنية في هذا المجال، إلا أن استمرار ضعف منظومة المساءلة، وغياب المجلس التشريعي، واستمرار ممارسات الاحتلال، كلها عوامل أسهمت في إضعاف النزاهة في سياسات الحكم.
وقد تجلى ذلك في استمرار التعيينات في المناصب العليا دون شفافية أو تكافؤ في الفرص، إضافة إلى إصدار العديد من القرارات، لا سيما ذات الطابع التشريعي، دون أن تخدم المصلحة العامة. كما لوحظت حالات فساد تورط فيها أشخاص متنفذون حصلوا على أموال طائلة مرتبطة بتقديم خدمات عامة أو تسهيل التجارة، دون أن يكونوا جزءًا من العملية الإنتاجية، بل عبر استغلال النفوذ الوظيفي للتغطية على تحقيق أرباح كبيرة لمقدمي الخدمات أو السلع، يتم تقاسمها فيما بينهم على حساب المواطن الفلسطيني، مستغلين ندرة الخدمات وارتفاع الطلب عليها.
وفي قطاع غزة، ساهم ضعف المساءلة أو غيابها في نشوء حالات فساد لأشخاص متنفذين، حصلوا على أموال طائلة بمساعدة مسؤولين إسرائيليين مشرفين على إدخال المساعدات إلى القطاع، وذلك من خلال منح تصاريح ورخص وتنسيقات تتعلق بنقل وإدخال المواد التجارية والمساعدات، لصالح شركات أو أشخاص فلسطينيين مقابل منافع وعمولات مالية.
يؤكد ائتلاف أمان أن فلسطين ليست خارج الاستخلاص الذي خلصت إليه نتائج المؤشر لهذا العام، من وجود تراجع طويل الأمد في قدرة القيادات على مكافحة الفساد، إلى جانب مؤشرات محدودة في إحراز تقدم.

