حياة مؤجَّلة إلى إشعار آخر.. نساء غزة في زمن الانتظار القسري
إعداد: رنين القدرة – قطاع غزة
من غزة، حيث تتبدّل ملامح الأيام تحت وطأة الحرب والحصار، تولد حكايات لا تُروى دفعة واحدة، بل تُكتب على هيئة تأجيلات متتابعة: سفر يتوقف، دراسة تتعثر، وعلاج يُرجأ إلى موعد مجهول. هكذا تبدو حياة كثير من نساء القطاع؛ مسارًا معلقًا بين ما يردنه حقًا وما يسمح به الواقع.
تقول الصحفية رنين القدرة في مستهل قصتها المعنونة «حياة مؤجلة إلى إشعار آخر» إن وسائل الإعلام ومواقع التواصل حاولت تقريب الصورة عما تعيشه نساء غزة، لكن المعاناة الحقيقية أعمق من أي نقلٍ عن بُعد. فالحرب المستمرة أجبرت المرأة الغزية على أن تكون الأم والأب، الأخت والسند، والمسؤولة الأولى عن عائلتها في غياب أبسط مقومات الحياة.
أحلام توقفت عند بوابة الحرب
يقين قداح، طالبة اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى، واحدة من آلاف الفتيات اللواتي توقفت مسيرتهن التعليمية. تقول:
«أنهيت السنة الأولى، وسجلت للثانية ودفعت الرسوم ونزلت جدولي، ثم جاءت الحرب. كل خططي بالسفر أو الحصول على منحة توقفت. كان يفترض أن أكون اليوم خريجة، لكنني ما زلت أنتظر فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة ومتابعة حلمي».
ومع طول الانتظار، يتحول الحلم – كما تصفه القدرة – من مشروع حياة إلى فكرة معلّقة نعيش حولها لا داخلها.
إصرار رغم الفقد والمرض
سامية عزازي بركة، أم لثلاثة أطفال بعد عشرين عامًا من الانتظار، تروي جانبًا آخر من الصمود: «لم أؤجل دراستي رغم مرض زوجي وخضوعه لعملية خطيرة في القلب. أكملت البكالوريوس وسط الخوف والقلق. اليوم أحلم بالماجستير، ليس طموحًا شخصيًا فقط، بل لأنني رأس مال أطفالي بعدما فقدنا البيت والمال. أتمنى أن أتمكن من الدراسة ورعاية أسرتي حتى تعود الأمور إلى طبيعتها».
حين يصبح التأجيل فقدانًا للحق
أما خلود جداح، الصيدلانية والأرملة من المنطقة الشرقية، فتروي مأساة مضاعفة: «أصبت بقرحة في قرنية العين وكنت بحاجة لزراعة عاجلة، لكن مرض زوجي بالسرطان ثم الحرب أجبراني على تأجيل العلاج حتى فقدت النظر في عيني اليمنى. فقدت زوجي وطفلي وبيتي، وشعرت أن حياتي تدمرت بالكامل. المسؤوليات التي نحملها في غزة لا تحتملها الجبال».
انتظارٌ لا ينتهي
تختم القدرة تقريرها بالقول إن النساء في غزة لا يخترن التأجيل، بل يُفرض عليهن فرضًا. تتراكم الأحلام المؤجلة: دراسة، سفر، علاج، وحتى أبسط تفاصيل الحياة. ومع ذلك، لا تتخلى الغزيات عن الأمل، يضعن أحلامهن جانبًا ويحرسنها بالصبر، على أمل أن يأتي يوم يُرفع فيه هذا التأجيل القسري، وتعود الحياة إلى مسارها الطبيعي.
في غزة، ما زالت النساء ينتظرن… ويحاولن العيش على الأمل حتى إشعار آخر.

