«يولا وأخواته» لراجي بطحيش: الفلسطينيّ المنتظَر
منذ الأسطر الأولى لرواية «يولا وأخواته» (منشورات المتوسط، ٢٠١٧)، يبدو الكاتب في وصفه لخريف مدينة الناصرة، وكأنّه يحدّد مهمّته. ففي هذه الرواية، لن تعثر على “بكائيات لاجئين أو كلمات شاعر، ترشح عذوبةً سريعة الامتصاص بالأرض”، ولن تعثر على “أهازيج شعبية متوقّعة سَلَفاً”، ولا على “حكاية غياب ملتزمة بالخسارة”. في هذه الرواية، إن ظهرت ياسمينةٌ، فلـ”تخرج من اللوحة الساذجة والقصيدة المكرّرة”، تماماً كما يفعل يولا وأخواته. وإن ظهرت زيتونة، فلن نجد قربَها عجوزاً تعانقها، بل سنجد الزيتونة نفسها تتذمّر: “إن كنتم تشترون مخزونكم من الزيت أصلاً من الريف المحيط، أو أبعد… فلماذا تزرعونني وسط هذا الإسمنت؟”.
إذاً، المدينة هي الناصرة، والقصّة هي قصّة عائلة بورجوازية تفقد امتيازاتها. الجدّة، ماري، تحمل معاني القسوة والجمال والقليل من الشرّ. الأمّ، عايدة، تبدو في وضع إنكاريّ لما آلت إليه أوضاع العائلة، تصرّ على الماكياج الكامل وعلى وضع خواتم زواجها كمن يتمسّك بماضي أبناء الذوات. الأخت، سوسن، مصابة بالجنون، وقابعة في دار للرعاية النفسية. الأخت الثانية، جانيت، مهاجرة إلى كندا. الأخت الثالثة، مي، انتحرت. الأخ، إميل، أصيب بالإيدز ومات. أمّا الابن الأصغر، كميل، فيبدو وكأنّه وإميل شخص واحد (الفارق حرف واحد بين الاسمين)، وقد امتزجت الشخصيّتان باسم “يولا” الذي يشكّل وأخواته عنوان الرواية. هذا المزج بين الشخصيّتين يظهر أيضاً بطريقة أقلّ حدّة بين الأمّ وابنتها سوسن. فحين توقّع عايدة على الموافقة على بيع ممتلكات العائلة بالمزاد العلني، ينتبه كميل أنها تحمل قلمَيْن، وحين تستخدم أحدهما، يظهر توقيعها بالعبرية: “سوسن”. فهل عايدة هي سوسن نفسها، لكنّ كلاً منهما اختارت طريقتها للتعايش مع الواقع الجديد، إمّا عبر الإنكار، وإمّا عبر الجنون؟
ليست التحوّلات السياسية والاجتماعية وحدها ما أفقد العائلة حضورها التاريخي. فبعد وفاة الأب، اكتشف الجميع ضرائب متراكمة لم يسدّدها قبل وفاته. ومن هذه المعلومة البسيطة، يحدّد راجي بطحيش مصدرَيْن للعنف الذي تصطدم به شخصياته: الأب والدولة. السلطة الأبوية والسلطة الإسرائيلية. كما يعترف الراوي، في فصل آخر، أنّه كذب على الأخصّائي النفسي قبل ثلاثين عاماً، فلم يجرؤ على إخباره عن تضايقه من سرقة الغزاة لثمار شجرة اللوز، ومن إجباره على حضور صف الرياضة مع الصبيان بدلاً من التطريز مع البنات.
يكمن سحر الرواية في العدد القليل من الصفحات التي تمكّنت بأسلوبها المكثّف من الدخول إلى العوالم العميقة للشخصيات وللمدينة وللعنف المحيط بها، وذلك عبر لغة تمتزج فيها السخرية بالميلانكوليا والكتابة الكويريّة التي تعتمد الألفاظ الجنسيّة الصريحة والعلاقات المثليّة المحرِرة، في محاولة لتحقيق أكثر من غاية واحدة: تدمير الصورة الرومانسية التي تطبع الكثير من الأعمال الأدبية الفلسطينية، الابتعاد عن اختزال صورة الفلسطيني بالضحية، تفكيك الوحدة المصطنعة للإنسان الفلسطيني، السخرية من العادات الاجتماعية للطبقة الوسطى الناصرية، وإدانة آليات العنف العسكري والاجتماعي.

