المُغنّي الفلسطيني المتوكل طه

2016-02-01 11:37:59

المُغنّي الفلسطيني
المتوكل طه
*******
هنا الأغنياتُ القديمةُ تصحو،
وما جفَّ دمعُ الصَّبا والبيات.
ومنذُ الولادة حتى الممات،
لنا شَجَرُ الحزنِ في كربلاء.
لهذا، سأبعثُ طيراً يُجنِّحُ
دمعَ المناديلِ وهي تلوِّحُ
فوق الشواهدِ والباكيات.
أنا مَن يُغنّي لأنّي اجترحتُ المدى
سُلّماً للنداء.
لأنّي أراودُ روحَ البراكين
وهي تُمَسّدُ قلبَ الخفاء.
لأنّي أُصَعِّد ماءَ التراتيل
رفّاً يُهادِل سَرْوَ البهاء.
لأنّي أصبُّ على الجرحِ جمراً
وأقدحُ أقمارَ ليلِ الفضاء.
أغنّي لأنّي جديرٌ بهذا الدمِ الحرّ
والبرقِ في جسدِ الكبرياء.
أغنّي لأنّي وريثُ الشهادةِ،
والأنبياء.
أغنّي لأنّي أنا العاشقُ البحرُ
والسهلُ والسيلُ والهندباء.
أنا شجنُ الغرباءِ الذين
رأوا بَدْرَهم في حريقِ السماء.
أنا حَبَقُ النازفينَ على كلِ بابٍ
ومتراسِ نارٍ
وحاجزِ عَارٍ
وصدرِ جدارٍ
وغُرّةِ دارٍ
وطينِ بساتيننا الهالكات.
أنا مَن يَردُّ الظلامَ إذا
زَحَفَت حاملاتُ الهباء.
أنا مَن يُرَنِّقُ هذا السحابَ
بِرَعدِ الصواعقِ والعاصفات،
وصَهْدِ اللّظى في ضِرامِ الدماء.
أنا مَنْ يُطَهِّرُ أرضَ البتولِ
برمّانةِ الصدرِ والهاتفات.
أغنّي لأنّي آبنُ طيْبةَ والقُدسِ
والشامِ والمغربِ الشهداء.
أُغنّي لأنّي آبنُ هذي الأساطيرِ
في بابلِ السِّحرِ والآلهات.
أُغنّي لأنّي آبنُ بغدادَ والشِّعرِ
والشمسِ إنْ أشرقت في الجهات.
أُغنّي لأنّي أُحبُ البلادَ
وليلَ الضفائرِ
والأمهات.
أُغنّي ليشرقَ عشبُ الصباحِ
ويعلو على الصمتِ صوتُ الجراحِ
أُغنّي لأنّي أُحبُ الإلهَ
وشهدَ الجِباهِ
ووردَ الصلاة.
أُغنّي لأنَّ الحياةَ بلا أي لحنٍ..
ممات!
وأنَّ الطيورَ بلا نغمٍ
رَمْيةٌ في الهواء.
وإنّي أُغنّي لأنَّ الحياةَ
غناءُ الغِناء..
وأبقى أغنّي
أُغنّي
أُغنّي
إلى أنْ تعودَ الحياةُ.. الحياةْ.
***
أغنّي لأنَّ الصليلَ/
النحيبَ/
الرياحَ/
الدعاءَ/
الصّدى..
كُلُّها نَسَغُ الكونِ في وترِ الكائنات.
أُغنّي لأنَّ المحبةَ والنورَ
والطفلَ والخيلَ والعشقَ،
وامرأةً من حليبِ النّدى..
كلّها فضّةُ النّاي التي كوَّنتها اللُّغات.
أُغنّي لأنَّ الحصادَ وسَيْرَ القوافلِ
والموجَ والخَبَبَ الواثقَ المستريحَ،
أو الهودجَ العُرْسَ في سابحاتِ المدى..
كُلّها الجِرْسُ في وَقْعِ هذا الحداء.
لأنَّ النواقيسَ والآيةَ البِكْرَ،
والذَّهبَ المُصطفى ليلةَ الزّارِ،
والحركاتِ التي جَهَدَت كي ترى الكشْفَ
في مقاماتها بالهُدى..
كُلّها السِّرُّ في جَرْحةِ الإنتشاء.
أُغنّي لأنَّ النّواحَ/ الطّهورَ/ الحجيجَ،
وتقديسَ نارِ الخرافةِ،
والرقصَ حولَ الذّبائحِ،
والرَكْضَ خلفَ الطرائدِ،
والخوفَ منْ طَوْطَمٍ غامضٍ،
والتَعَلّقَ بالكوكبِ الحِرْزِ
بلا طائلٍ، أو سُدى..
كُّلّها نَبْضُ هذي المزاميرِ،
أو حَسَراتُ الرّبابةِ
إنْ أوغلت في البكاء.
أُغنّي لأنّي أنا صوتُ هذي الطبيعةِ
والناسِ.
مرآةُ هذي المجرّاتِ إنْ غَرِقت
في الجِناس.
أو الشّالُ إنْ حَزَّ جِيْدَ الغزالِ الذي
ذوّبتهُ السنابلُ في نظرةٍ للظباء.
أنا لا أغنّي، ولكنني قد تناسختُ
في العود، أو كنتُ جَمرَتَهُ
في الفِراء.
***
أغنّي لأنّي أنا الرَّصْدُ والنهاوَنْدُ.
وزريابُ قد جاءني في المنام،
فأعطيتُهُ سادسَ اللّحنِ..
إنّي أنا كلُ إيقاعِ مَنْ هللّوا للقصيدِ،
وأعطافُ مَن سَجعوا للبعيدِ.
وكنتُ، فجاءت بحورُ الخلّيلِ
لأُرضِعَها كالوليدِ،
وما كان هذا الخليلُ بنُ أحمدَ
أكثرَ مِن كاتبٍ للنشيدِ.
أنا أوّلُ القلبِ والرُّعبِ،
مَنْ كانَ فيهِ الجوابُ،
أنا السقفُ والبابُ
والراسخُ المُستجابُ..
أنا في الحكاياتِ إرهاصةٌ للسؤالِ.
ولوني ملامحُ ثوبِ الخيالِ.
أنا إنْ حضرتُ يغيبُ السكونُ،
وأحضرُ آلهةً في المثال.
وأمشي نعاساً إلى صحوةِ الروحِ،
حتى إذا جلتُ فيها؛
أقمتُ الجنائنَ والأنهرَ الدافقات.
أنا مَن يكونُ ومَن سيكون.
ومَن لا يموتُ إذا ماتت الأرضُ
والطّبقاتُ السّواء ..
أنا النغمُ الخالدُ الفذُ، أبقى
إذا ما يكونُ البقاء.
أنا الصوتُ و الحرفُ والرْقصُ
إنْ مَوَّجَتْني القوانينُ في النيل،
أو فاضَ بي العُودُ فوق الفرات .
أنا القشعريرةُ في القمحِ،
والخمرُ في سُكَّرِ القَدَّ ،
والموجُ في زَفَّةِ القُبّرات .
أنا الطيرُ في حُلم الغيمِ،
إنْ رقَّ .. يهمي
وإنْ دقَّ .. يشهق لوزُ البراري
على ضفةٍ من حرير الرّداء .
أنا ربُّ مَنْ نَعَفَ الضوءَ،
آياتُ مَن سجدوا للمحيط،
وسيّدُ مَنْ ذوَّبتهُ الكمنجةُ،
والوحيُ في دمعةِ الكستناء .
..................................
الأغنية
***
أنا في الزنازنِ حُرَّاً عزيزاً
وأحفرُ شمسي بإظْفرِ كفّي
وأغدو عصيّاً على الإنكسار.
أنا في اعتصامِ الجموعِ نسوراً
أفيضُ سطوعاً لوجهِ النهار.
أنا في الحقائبِ حَرفاً جليلاً
يؤصِّلُ رايتَهُ في المدار.
أنا في مُنازلةِ الوحشِ أقوى
بحنجرةِ النارِ والإنتصار.
أنا في خيامِ البعيدِ حنيناً
يضيءُ قناديلَه للديار.
................................
صوت المُغنّي
***
صوتي لا يحصرهُ القيدُ
وحبلُ المشنقةِ السوداء.
صوتي الريحُ العاصفُ ورداً
صوتي الوديانُ الحمراء.
أُشْعِلُ ثلجَ الليلِ بروقاً
تُوقدُ أوردةَ الصحراء.
صوتي يفلقُ قلبَ الصخرِ
نخيلاً يعلو في الأنحاء.
صوتي يجرحُ صدرَ التلّ
ويفتحُ نهراً في الرّمضاء.
صوتي أمطارُ الشريانِ
وماسةُ أحزانِ الشعراء .
صوتي النفحةُ في الأرواحِ
ومهدُ المعجزةِ العذراء.
صوتي ملحمةُ الفرسانِ
وشَهْدُ الأعرافِ العلياء،
ويومُ النصرِ ويومُ العيدِ
وليلُ الجلْوةِ والحنّاء.
صوتي الفردوسُ الموعودُ
وجنّةُ أحلامِ البسطاء.
صوتي فوقَ السّوطِ الّلاهبِ،
أكبرُ من كابوسِ السجنِ،
وأجملُ من تاجِ الخُيَلاء.