" ساعي البريد المغلوب على أمره، ومستشار الحاكم العسكري ".
قصَّة قصيرة:
بقلم: رائد دحبور.
كانون أوَّل شتاء عام 1982م، أسيرُ في الطَّريق عائداً من المدرسةِ، فيخُفُّ إليَّ ساعي البريد ويُناولني ظرفاً ممهوراً غلافه بشعار شرطة الحكم العسكري الإسرائيلي وهو يعتذر عن حمله إليَّ، وذلك كضرورةٍ من ضرورات وظيفته في مكتب البريد التَّابع للإدارة العامَّة الحكوميَّة الإسرائيليَّة، وهو يقول:
هذا استدعاءٌ من الحكم العسكري لكَ للمقابلةِ يوم غد عند الساعة الثَّامنة صباحاً في مبنى الحاكميَّة العسكريَّة في مدينة جنين.
كانت تلك هي المرَّة الأولى التي أُستدعى فيها لمقابلة ضبَّاط الحكم العسكري لكنَّها لن تكون الأخيرة في سلسلةِ عشرات المرَّات في السَّنوات الَّتَّالية – عدا عن مرَّات الإعتقال العديدة فيما بعد ذلك - ولم يعد سعاةُ البريد يشعرُون بالحرج فيما بعد؛ عندما يأتوني باستدعاءٍ جديد، فهم المغلوبُون على أمرهم، وأنا وكما غيري الآلاف من أبناءِ شعبي أصبحتُ ضمن دائرةِ الإستدعاءَات والملاحقات المستمرة من قِبَلِ الحكم العسكري بمناسبةٍ وبغيرِ مناسبة.
فتحتُ الورقة المُعَنْوَنة في رأسها بخاتم الحكم العسكري في الضَّفة الغربيَّة، وفيها إسمي وعنواني ورقم هويَّتي التي حصلتُ عليها قبل وقتٍ قصير، جاء في سطورِ تلك الورقة، بلغةٍ جافَّة: " عليك التَّوجه للمقابلة في مكتب كابتن – موشيه - مستشار الحاكم العسكري للشؤون العربية، عند السَّاعة الثامنة صباحاً مصطحباً معك هويتك وأربع صور شخصيَّة حديثة "... كان هذا الضَّابط يضَّطَلِعُ بإجراءِ المقابلات في حينها وذلك لانشغال طواقم الأمن الأخرى التابعة للحكم العسكري في لبنان، في أعقاب اجتياح واحتلال الجنوب اللبناني الَّذي وصل في حينه حتَّى بيروت.
جئتُ في اليوم التَّالي إلى بوَّابة المدخل الرَّئيسي لمبنى الحاكميَّة، هناكَ أوقفني الجنود، وسألني أحدهم: ما سبب مجيئك إلى هنا ؟ أبرزتُ له ورقة الإستدعاء، دقَّقَ في هويتي، ثمَّ فتَّشَ جسدي تفتيشاً دقيقاً، ووجَّهني إلى أحد الأبواب الرَّئيسيَّة مقابل البَّوابة.
وقال: إذهب إلى ذلك الباب واصعد الدَّرج إلى الطَّابق الثَّاني، هناك ستجِدُ من يوجِّهك إلى مكتب - كابتن موشيه.
يبدو هذا المبنى الأصفر الضَّخم كبيراً جداً بالنِّسبةِ لي وبالمقارنة مع حجم جسمي الصغير الضَّئيل آنذاك، كما مع حجم وعيي على الحياة واللَّذان لم يُجاوزا كلاهُما من العمر إلَّا ستة عشر ربيعاً بأيَّامٍ قليلة، وحيثُ لم يكُ قد نبَتَ في ذقني أيُّ شعرة بعد... هناك وفي ممرات المبنى الأصفر الطويلة والمتشعبة، وقبالة الدَّرج الرَّئيسي الَّذي وجَّهَني الجندي إلى صعوده، وقفتُ أمام بابٍ عُلِّقت فوقه لافتة باللغة العبرية – وكنت وقتها أجهل الكتابة العبرية تماماً - وإلى أسفل الكتابة العبرية كُتِبَ باللغة العربية: " قيادة قوَّات جيش الدِّفاع في منطقة يهودا والسَّامرة - ديوان الحاكم العسكري ".
وقفتُ بجانب الباب وكان الكريدور فارغاً من أحدٍ يَدُلُّني على الوجهة التي ينبغي عليَّ التوجه إليها، وفي هذه الأثناء فُتِحَ باب ديوان الحاكم وخرجَ ضابِطٌ فارع الطُّول يرتدي لباساً عسكريَّاً أنيقاً...نظرَ إليَّ مُستغرباً وسأل:
ماذا تفعل هنا يا ولَدْ ؟!.
أجَبْتُه وبرباطةِ جأش وبجرأةٍ استثارت استغرابه: أنا مطلوب عند كابتن موشيه.
قال: أنا كابتن موشيه، مَنْ أنتْ ؟!... إذكُرْ ليَ إسمكَ الرُّباعي.
ذَكَرْتُ له إسمي الرُّباعي؛ فابتَسَمَ ابتسامةً صفراء، وقال: هذا هو أنتَ إذَنْ، كنتُ أتخيَّل أنّكَ أكبر سنَّاً مِمَّا تبدو أمامي الآنْ...على كلِّ حال هاتِ هويَّتك وتعالَ ورائي... توجَّهَ أمامي إلى الغرفة المقابِلَةِ لمكتب الحاكم العسكري، فتحَ بابَها، وقال: إجلس على هذا الكرسي المُجاوِرِ للباب...
جلَسَ إلى مكتَبِهِ، وبدأَ بالإستجوابِ حول طبيعة علاقاتي بأصدقائي وحولَ النَّشاطات المشبوهة – بحَسَبِ تعبيره - في المدرسةِ وفي حواري بلدتي، وكانت هناك سلسلة من الأسئلةِ تكادُ لا تنتهي... !! وأدركْتُ أنَّ ذلك ما هو إلَّا بدايةً لمُسَلْسَلٍ من المتاعب مع هؤلاءِ بعد الآن، فتسلَّحْتُ بالشَّجاعَةِ والصَّبر وحاولتُ أنْ أكون حكيماً ذكيِّاً في إجاباتي عن استفساراته، لكنَّه على الفور اتّهَمني بالمراوغة والكذب، ومحاولة التَّذاكي، وبدأ بإطلاقِ التَّحذيرات والتَّهديدات، وقالْ:
إنْظُرْ إلى هذه الصُّورة الّتي من ورائي... كانت تلك الصُّورة هي عبارَة عن – بوست – لطفلٍ فلسطيني في إحدى مُخيَّمات لبنان يُشهرُ مُسدَّساً ويظهرُ في عينيه نظرَةَ غضَبٍ وإصرار على الإنتقام... كانَ هذا البوست معروفاً لي، وكانَ يُنشَرُ كاحَدِ التعبيرات الرَّمزيَّة عن حالة الغضب الفلسطينيَّة، كما الشُّعور بحالة الخُذلان والخيانة والغدر في أعقاب مجزرتي صبرا وشاتيلا، تلك المجزرة الَّتي كانت لمَّا تَزَلْ غضَّة طريَّة في الذَّاكرة اليوميَّة لعموم أبناء الشَّعب الفلسطيني... ثمَّ قال مُحذِّراً ومُهدِّداً وهو يُشيرُ إلى البوستَرْ، وكأنَّه – وبحَسَبِ تعبير شكسبير - يُريدُ تجريدي من شجاعتي كما أنا مجرَّدٌ من أيِّ سيف :
نحنُ نعرِفُ ما معنى هذا جيِّداً... لِذا؛ فنحنُ لنْ نتهاونَ مع أيِّ نشاطٍ من أيِّ نوعٍ كانْ، وحتَّى لو كان داخل أُطر الشَّبيبة في المدرسة أو في الجامعات أو في الحارات والتي نعرفُ أنَّها تَتْبَعُ لحركة فتح، وإنْ كُنتَ أنتَ وغيرك تُنكرون ذلك !!... أنتَ ومن الآن فصاعِداً - وكما غيرك من أصدقائك - في دائرة اهتمامنا؛ فانتَبِه جيِّداً !!.
ما كانَت هذه المُقابَلة مع هذا الضَّابط هي الأخيرة، كما مع غيرِه من الَّذين قد أتَوْ من بعده ولسنواتٍ عديدة، وذلك بعدَ أنْ تمَّ ترقيته إلى منصبِ الحاكم العسكري للمنطقة فيما بعد – وذلك قبلَ أنْ أنكفأتُ وبعد سنواتٍ طويلة من ذلك عن أيِّ نشاطٍ سياسي وربما كان ذلك بحكمِ البصيرة التي قد اكتسبتها من التَّجربة الفرديَّة والجمعيَّة وبفعلِ المراحل التي تلت كل تلك السِّنين، والتي قد ترسَّخت فيها بيئة الخلافات الحادَّة وعدم اليقين تجاه الخيارات وكذلك الضبابيَّة في الوضع الفلسطيني - وحيثُ يبقى خيار الإنكفاء عن النشاط السياسي خياراً شخصياً ووجهة نظرٍ شخصيَّة بكلِّ الأحوال.
لكن، تلك كانت مراحل ومفاصل لَمْ تمَّحِ من الذَّاكرة – وأظنُّها لنْ تغادرَ ممرَّات وقنوات الذِّاكرة الكامنة – فتلك الذِّكريات هي جزءٌ من طبيعة حياة الشعب الفلسطيني والَّتي سأبقى أنا شخصيَّاً تفصيلاً ضيئلاً صغيراً جدَّاً... جدَّاً... منها، على ما لها من أهميَّةٍ بالنسبةِ لي شخصياً كونها أسهمت إلى حدٍّ بعيد في تحديد سياقات حياتي الشخصيَّة، ولقد عبَّر الفيلسوف – ديكارت - عن موقفه من الطَّبيعة ذات مرَّة قائلاً: " إنَّ الطبيعةَ ما هي إلَّا ذاكرةٌ نائمة، لكنَّها واعية !! ".
فما زالت صورة ساعي البريد المغلوب على أمره، مُتلعْثِماً مرتَبِكاً يَمُدُّ إلَيَّ يَدَه يُناوِلُني ورقة الإستدعاء، كما صورة مستشار الحاكم العسكري - للشؤون العربية - بِبِزَّته العسكريَّة الأنيقة والرُّتبة العسكريَّة الخاصَّة تعلو كتِفَيْهِ، كما صورة بوست الطِّفل الفسطيني في مخيَّمٍ في لبنان عام 1982، صورٌ متناقِضة ومتداخلة في ذات الوقت، كتفصيلٍ تزدَحِمُ به الذَّاكرة، كما غيره من التَّفاصيل الكثيرة ذات الدَّلالات التي ربما تتجاور حجم تفصيلِيَّتها، والَّتي وإنْ حَمَلَتْ سِمَةً النَّومِ كَسِمَةٍ من سمات ذاكرة الطَّبيعةِ العامَّة والشخصيَّة؛ إلَّا أنَّها وإنْ كانت نائمة فهي تستَفِزّ عَصَبَ ووترَ البصيرة، على الدَّوام، وذلك حتَّى أدفعَ كما ندفَعُ جميعاً كأحياءٍ ندُبُّ على وجه هذه الأرض دَيْنَ الموتِ تجاه الحياة في النِّهاية، ذلك الدَّيْن الَّذي - وبحسبِ تعبير وليم شكسبير: يدفعهُ المرءُ للحياةِ وللطبيعة مرَّة واحدة ودُفعة واحدة !!.