الرقص على الحبال"

2015-09-17 16:13:53

راية 

هادي زهير 

بدت الأمور عادية بالنسبة "لأحمد بن سعيد الشلال"، فهو
لم يستشعر أي شيء من التناقض بين الانتماء لأمة ما زال
لسانه ينطق لغتهم ويعتنق دينهم، وبين التطوع للخدمة في
الجيش الإسرائيلي، فقد نشأ وسط أجواء ترى في تلك الخدمة
ضمانًا للمستقبل، والحياة السعيدة. صحيح أن والده ضابط
برتبة متوسطة، ولكنه ميسور الحال، وكثيرون من أبناء بلده
خدموا ويخدمون في الجيش ويتفاوتون في رتبهم العسكرية، فلم
لا يدخل هو أيضًا في الجيش ليتخلص من مهنة رعي الأغنام
التي لا يجيد غيرها في هذه الأجواء المتقلبة، خاصة وأنه قد
أخفق في الحصول على درجة متقدمة من التعليم، وهو بهذا ربما
يثبت وجوده كالآخرين وسط هذا المجيط الذي يعيش فيه،
خاصة وأن سلطات الجيش بحاجة إليه كغيره من الشباب
البدوي الذين يملكون الشجاعة والإقدام، إضافة إلى ملكة
الفراسة والقدرة على اقتفاء الأثر، وهي من الأمور الهامة التي
يحرص الجيش على تواجد الأفراد الذين يجيدونها بين صفوفه.
ولِمَ يذهب بعيدًا، فهذا ابن عمّه "حمد" الذي هو في مثل
سنه، قد سبقه في التطوع في الخدمة العسكرية، وها هو يراه
كلما عاد إلى القرية يتدفق حيوية وثقة بالنفس، وهو يضرب
الأرض بنعليه العسكريين، ولا يخشى سوى الخالق سبحانه
وتعالى، وهو لا يفتأ يردد:
- أنا بخفش غير من الله.
صحيح إن رعي المواشي أكسبه قوّة وقوامًا متناسقًا، وخفة في
الحركة جعلته قادرًا على تسلق الجبال والتلال، والنزول إلى
قعر الوديان والشعاب كغزال دون أن يشعر بتعب أو ضيق. إن
حركته الدائمة في الصعود والهبوط وراء الأغنام والجديان،
والشبابة لا تسقط من بين يديه وهو يعزف عليها أحلى الألحان
لأغنامه وخرافه التي كانت تتقافز بين الصخور والسهول في
أريحية تامة لتلتقط الأعشاب الخضراء، كل هذا أكسبه مزيدًا
من الرشاقة والقوة، ودقة الملاحظة، مما كان يعينه على اقتفاء
أي أثر، لبشر كان أم لماشية.
كان يستشعر السعادة وأنغام شبابته تحرك قطيعه كيف
يشاء، فيأخذه إحساس بالنشوة البالغة وهو يرى كل ذلك، إلاّ
أن حلمه كان أكبر من كل هذا.. كان يحلم بأن يتخطى الحاجز
الذي وقف عنده والده وكثيرون من أبناء عشيرته.. كان يرغب
بحياة وردية تشيع في جسده النشوة والسرور.. وكانت عيناه
الشاردتان تتتبعان حركة أغنامه وهي تلتقط الأعشاب بنهم
وشهية، وهو لا يكف عن العزف على شبابته أحلى الأنغام،
وكان كلما هاجه الوجد تجده يغني لنفسه أولاً، ولمن يهواه
القلب ثانيًا:
"جفرا ويا هالربع طلعت ع سلّمها ومن بين كل الخلق يا رب
اتسلمها".
كان في معظم الأحيان يكتفي بالعزف على شبابته، إلاّ أنه
حين يبلغ قمة النشوة، يأخذ في الغناء بعد أن يعزف اللحن
على أنغام الشبابة. وفوق كل هذا كان أحمد من أحرف الناس
الذين يجيدون إصابة الهدف بالحجر، فممارستة الرعي ولم
الأغنام الشاردة دون اعتماده على كلب كغيره من الرعاة، دربته
علي أن يكون دقيقًا في إصابة الهدف. فكم من مرّة استطاع فيها
اصطياد عصفور بحصوة ينقفها من بين أصابعه.. وأمام كل هذا
كان يفرد صدره منتشيًا. وهو إن نسي فإنه لن ينسى يوم
استطاع قتل أفعى جدراء كادت تلدغ العنزة "الحلطاء" حين
أورد أغنامه على النبع كعادته في كل يوم حين تصل الشمس إلى
كبد السماء، لتشرب حتى تستطيع مقاومة حدة الحر في تلك
الأجواء الصحراوية الحارة.
وها هم الأقرباء والجيران قد بدأوا يفدون إلى بيت والده بعد
صلاة العشاء في مسجد القرية القريب من المنزل، وذلك لتوديعه
وهم يتمنون له النجاح بعد أن بلّغهم حصوله على موافقة
الجيش له للانضمام إلى "خدمة العلم". وحتى أولئك الذين
يرفضون فكرة انضمام الشباب البدوي إلى الجيش، حضروا لأداء
واجبهم الاجتماعي محاولين تقديم بعض النصائح له، وكان
والده السيد "سعيد" يستقبل ضيوفه بالعناق، وعندما ضاق المنزل
على سعته بالمودعين الذين ما برحوا يتوافدون زرافات ووحدانا
إلى المنزل، خرج الشباب منهم إلى فناء المنزل حيث فردوا
مقاعدهم هناك. وقد لاحظ أبو أحمد بأن القهوة التي تم
تجهيزها لم تكن كافية لكل هذا الحشد من الضيوف، فقال كي
يلفت انتباه الذي يعدها للأمر:
- القهوة يا ولد.
ووقف أحد الضيوف من الشباب قائلاً بصوت يستحث فيه
الشباب الآخرين ممن حضروا:
- نحن الآن في الساحة وهي فسيحة والحمد لله، فلِمَ لا
نقوم بالواجب على أتمه، بحيث يصبح حفل وداع
كهذا ذكرى يتغنى بها الجميع.. دعونا نزفه وكأنه
عريس..
فأثنى على اقتراحه عدد كبير من الشباب الذين لم يترددوا
بسرعة النهوض والاصطفاف للسحجة، وهنا قام أحدهم وراح
يهتز قليلاً كي تتحول السهرة إلى لون من ألوان الفرح والبهجة،
وأخذ يغني أغنية المطربة سميرة توفيق:
"بلّله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل واسقوها للنشامة ع ظهور
الخيل"
وهنا بلغ الحماس ذروته ببعض الشباب، فأخذوا يدبكون
وسط الفسحة، واستمر المؤدي في الغناء:
"قهوتنا للأجوادي... أول بادي... ويلي ناره وقادي...
بظلام الليل".
جاءت الردة سريعة ومنسجمة:
"والنشامة انلاقيها وانحييها... ويلك يلّلي اتعاديها... يا ويلك
ويييييييييل".
وكان السيد "سعيد" لا يكف عن الترحيب بضيوفه وهو يلوّح
لهم بكلتا يديه، موزعًا عليهم ابتسامته العريضة التي لم تغب
عن وجهه، وصوته لا يكف عن الترديد:
- هلا هلا هلا هلا.. صب.. صب قهوة يا ولد.. أهلاً..
أهلاًً.. حييهم..
وقد فاجأ رجلان من القبيلة، ممن كانوا يجيدون ترقيص
الخيول، الحضور بقدومهما وهما يمتطيان جواديهما، وراحا
يرقصانهما ثم تحولا إلى المبارزة بالسيوف وهما على ظهري
جواديهما.. لقد كانت لفتة رائعة منهما أسعدت كل من كان في
الحفل.. تحمس هنا أحد الحضور وسحب مسدسه عن
خاصرته، وهو يقف وسط الساحة وبدأ يطلق النار في الهواء،
وما هي إلاّ لحظات حتى دخل آخر وهو يحمل رشاشه وراح
يطلق زخات من نيرانه في الهواء. وقد أشعر ذلك السيد "سعيد"
بالسعادة البالغة وراح يردد لنفسه في غبطة:
- حقًا أن لي مكانة في نفوس الأهل والأصدقاء..
ثم هزّ رأسه والبسمة تشيع من محيّاه وهو يردد لنفسه:
- صحيح أن رتبتي في الجيش ما زالت متواضعة ولكن
الجماعة ما قصدتهم في طلب لأحد من أفراد القبيلة إلاّ
ولبّوه لي، فأنا لم أتردد في الوقوف إلى جانب كل من
رغب من القبيلة بالتجنيد للانضمام إلى الخدمة، أو من
كانت له معاملات بحاجة إلى توقيع أو إنجاز..
وكانت القهوة السادة تدور على الضيوف دون توقف كما هي
العادة، حيث تولى المهمة أحد الأقرباء ممن لديهم خبرة سابقة
ال، فهو يحمل المصب في يد ورزمة الفناجين في في هذا ا
اليد الأخرى، يصب في الفنجان الأعلى قليلاً من القهوة ويقدمها
بشكل دوري للحضور، ليقوم الضيف بارتشافها رشفة واحدة،
ومن ثم ينتقل إلى جاره، يصب له ثم يعود إلى الأول لأخذ
الفنجان، فإذا رفع الضيف الفنجان دون أي حركة كان ذلك
بمثابة إشارة لطلب المزيد، أما إذا رقّص الفنجان بين أصابعه،
فهذا يعني أنه استكفى، فيأخذه منه ويتقدم نحو غيره. وعلى
من يتولى هذه المهمة أن لا يغفل أحدًا من القادمين لأن احترام
الضيف مرتبط إلى حدّ كبير بهذا الفنجان. وعادة ما يحتل
الحديث عن القهوة ومعدّها مساحة كبيرة من الوقت، هذا
يقول: "تشل" كل الاحترام، وآخر يقول: تسلم إيدين اللي
عملها، وثالث يرفع صوته مبتهجًا بعد أن قام بارتشافها:هاي
"تشهوة".
وكانت ليلة سَعِدَ بها الجميع، وأخذ الضيوف يودعون
"أحمد" وهم يهزّون ذراعه ويشدّون على يده أثناء التوديع، وهم
يرددون عبارة تكاد تكون شبه مكررة من معظم المودعين:
- دير بالتش، بدنا اياتش بطل.
وبعضهم كان يضيف والبسمة العريضة تملأ وجهه:
- بدنا اياتش ضابط تشبير تشبير اتفوت الوالد.
وكان أحمد يرد باللغة الإنجليزية باللكنة البدوية:
- أوتشي أوتشي.
فأضاف آخر مازحًا:
- هذا تشبل من ذاتش الأسد.
وها هو "أحمد" قد لبس البزّة العسكرية وحمل السلاح،
فشحنه ذلك بشعور العظمة، خاصة عندما كان يرى عيون
الأطفال وعيون كثير من الشيوخ والنساء تبرق بشيء من الخوف
والرهبة في شوارع الأراضي المجتلة، حيث تقرر أن يخدم
هناك، وزادت فرحته عندما علم أنه قد تقرر ضم بعض معارفه
إلى نفس الوحدة، ومرّت الأيام وسعادته تزداد، خاصة عندما
كان يربت الضابط "مناحم" على كتفه ليثني على جهوده
وشجاعته في اقتحام المخاطر، وخاصة عندما كان يعود وقد
شارك في تصفية أحد المطلوبين، حتى أصبح القتل لديه متعة
يؤديها بشغف وحب..
وفي أحد الأيام كان يسير برفقة صديقه "سالم الغريف" وهما
يتمازحان، وفجأة انتبه أحمد إلى أحد الشبان الذي كان متسلقًا
هوائي تلفاز فوق أحد السطوح لكي يوجه شبكة الالتقاط، فقال
لسالم مازحًا وهو يشير بإصبعه:
- أنظر إلى ذاك العصفور!!.
نظر "سالم" إلى حيث يشير "أحمد" وقال مستغربًا:
- إبن الملعونة! كيف استطاع الصعود إلى هناك؟!
صمت أحمد لحظة قبل أن يقول بصوت فيه إصرار:
- ولكن منظره سوف يكون أجمل وهو يسقط فوق
الأرض...
ودون تردد صوّب فوهة رشاشه وأطلق النار، فخرّ الشاب
صريعًا. نظر "أحمد" إلى وجه "سالم" ورفع كفّه وهو يقول:
- كفّك.
وتصافحا بحرارة والبسمة تعلو وجهيهما.
- لقد فعلتها يا مجنون.. إنك لا تنسى صيد العصافير..
وتعالت في صحن الدار الصرخات: "لقد قتل العسكر كريم..
الله يقتلهم"، وتجمهر الناس فقال أحدهم:
- المسكين كان وحيد أمه، فماذا فعل؟
وحضرت القوّات، اتصل الضابط بالقيادة وأعلمها بما حدث،
وفي محاولة لتهدئة الوضع تم توقيف "أحمد" و"سالم"، وفي هذه
الأثناء هجمت عجوز على الجنود وهي تبكي وتصرخ:
- ياقتلة.. قتلتم إبني.. شو عملّكم إبني.
مسكت بعنق أحد الجنود فما كان إلاّ أن ضربها جندي آخر
بأعقاب بندقيته على رأسها، فخرّت مغشيًا عليها، وكان
الضابط في هذه الأثناء يقول للأهالي:
- إنّ أخلاق الجيش لا يمكن أن تسمح بقتل الأبرياء، وإنّ
من قتل لا بدّ وأن يكون متخفيًا بزيّ الجيش، ومن
يدري، فربما حاول القتيل الاعتداء على القاتل..
التحقيق سوف يظهر كل شيء..
حاولت القيادة جاهدة التغطية على الجريمة، خاصة وأن
والده مرتبط بعلاقات حميمة مع القيادات السياسية والعسكرية،
فقد سبق وأن أقام للمسؤولين الولائم،وعندما أحس الأب
بخطورة موقف ولده، ذهب إلى أحد المسؤولين وقال:
- إن ابني لم يرتكب مجزرة، إن كل ما قام به هو قتل
عصفور، ربما خرجت الرصاصة التي قتلته بشكل
عفوي.. عفوًا، إن كل ما قام به هو قتل شاب واحد،
وهناك من ارتكب مجزرة وغُرّم بأغورة واحدة،
  وتمت ترقيته. ديروا "بالتشم" على الولد ولا تخلونا
نفتح الجروح..
فقال المسؤول بصوت ليّن:
- لا تقلق.. إن لم نستطع تبرئته في التحقيق، سوف نقول
بأنه أصيب بلوثة جنون، فالجنون قد يبرئ أية متهم