التل والمخيم
بقلم: رامي مهداوي
عزيزي خطاب..
نحن الفلسطينيون يأتي لنا الموت من أبواب مختلفة، الآن يأتي لنا الموت من فم الجوع في مخيم اليرموك، الجوع الذي ذقناه في الماضي في مخيم تل الزعتر، فما حدث في تل الزعتر عبارة عن إبادة جماعية تمت في حق سكان المخيم الذي يقطنه 20 ألف فلسطيني ولمدة زادت عن 55 يومًا، تعرض خلالها الأهالي لقصف عنيف "55000 قذيفة".
قد تم منع الصليب الأحمر من دخوله، مما أدى إلى القضاء على المقاتلين المتحصنين بالمخيم قدر الإمكان وأهاليهم أيضاً. سقط مخيم تل الزعتر في 14-8-1976، بعد أن كان قلعةً حصينة أنهكها الحصار، فدخلته الكتائب اللبنانية كالذئاب، تحت غطاء حليفها الجيش السوري. وارتكبت فيه أفظع الجرائم من هتكٍ للأعراض، وبقرٍ لبطون الحوامل، وذبحٍ للأطفال والنساء والشيوخ وكذلك ارتكبوا المجازر والجرائم، من اغتصابٍ وهدم البيوت وإبادة الأطفال وسلب الأموال.... هل هذا ما يحدث الآن في مخيم اليرموك لكن بإخراج جديد؟!
ما بين الماضي والحاضر يبقى الجوع مستمرا، تبقى القضية ذاتها وربما تكاثرت القضية لتصبح قضايا متشرذمة لا نستطيع التعامل معها، لكن يبقى الموت هو حليفنا في كل قضية، الأرض تموت كما الإنسان، التاريخ يقتل كما رغيف الخبز، الطفل في تل الزعتر كان يصرخ ومازال أطفال اليرموك يصرخون إستغاثة لا يريدون سوى خبز فهم لم يعرفوا بعد متعة التسوق في المول والذهاب الى مدينة الملاهي أو الى السينما بعد. لن يبكي أطفال اليرموك من أجل الحصول على نوع محدد من الشوكولاته أو البوظة، فهم يريدون فقط ملعقة سكر ليبتسموا... المخيم يتنفس رائحة الموت كوجبة ساخنة تأتي من كل مكان لهذا لن ولم يتقاتلوا من أجل الحصول عليها وتناولها مع بعض المرطبات من عصائر وكولا.
ولدي العزيز...
علينا أن نجرب معنى الجوع بشكل يومي، حتى نعرف معنى الحياة.. معنى أن تمتلك شيئا لتأكله قبل أن تؤكل، علينا أن نشارك ما نأكله مع من لا يمتلك لقمة طعام حتى يستمر في العيش كإنسان مثلك مثله. إطعم من حولك فانت لا تعلم متى آخر وجبة تناولها، الجوع شبح يشاهدنا مبستماً كاشف عن أنيابه حتى يصطادنا واحد واحد ولا نعلم بأننا نؤكل او نكون وقوداً لنيران متعته.
والأخطر من هذا أن تكون أنت ضحية جوع .. حرب.. إبادة وأنت لا تعرف بعد من أين يأتي الموت، فتستعد للموت بأشكاله المختلفة ذبحاً.. جوعاً.. قصفاً... وربما تكون فريسة لشخص آخر جاع يريد لحماً! هكذا أصبحنا نحن ننتظر الموت بأي شكل، الموت قمنا بتربيته وقام بتربيتنا هو الفائز الدائم فلا ينتصر أمامه أحد، لكننا نحن الفلسطينيون إعتدنا على مواجهته، أكلنا الصبر حتى نصبر... شربنا الماء الذي تطفو عليه دماء شهدائنا حتى نستطيع أن نستمر، رأينا موت الأب، الأم، الأخت، الإبن، الزوجة أمام أعيننا، لكننا في النهاية سنستمر في الحياة، هناك في تل الزعتر... صبرا وشاتيلا... كفر قاسم.... واليوم في اليرموك.
التاريخ ينظر لنا الآن كما كان ينظر في الماضي، وغداً يا ولدي ستنظر الى التاريخ لتحاسبنا لماذا مات ويموت شعبنا ونحن لا حول لنا ولا قوة، عندما قرأت ما حدث في تل الزعتر كنت أبكي واليوم أنا أبكي الحاضر وأنا عاجز تائه فاقد كل الحواس، لكن إيماني بالغد يكبر فنحن والموت أصبحنا أصدقاء يا ولدي هو من سينتصر وأنا وأنت وبالغد إبنك سيكمل المشوار.