أزمة اقتصادية عالمية ثانية ودبي هي البداية؟!

2009-12-13 15:23:00
رايه نيوز: بعد مرور عامين بالتقريب على اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية المعروفة بأزمة الرهن العقاري, يعيش سكان العالم في هذه الأيام حالة من التخبط وعدم المقدرة على فهم وقراءة الأحداث الاقتصادية. فمن جهة واحدة, تتسابق اقتصاديات بعض الدول عن الإعلان عن زيادة في ناتجها المحلي الخام (وهو عبارة عن أحد الطرق لقياس حجم الاقتصاد بواسطة حسابة قيمة السلع والخدمات المنتجة من الموارد الموجودة محلياً), الشيء الذي يشير في الوهلة الأولى إلى بدء خروج هذه الدول من لهيب الأزمة الاقتصادية العالمية, لكن وبالمقابل, نرى أنه بدأت تفقع هنا وهناك فقاعات التي من شأنها التشكيك بمصداقية خروج الاقتصاد العالمي من أزمته الحالية, ولعل الانفجار الأخير في السوق العقاري لإمارة دبي هو أكبر برهان.

ولا شك فيه أن الأزمة الاقتصادية العالمية وضعت أوزارها الوخيمة على الاستهلاك الفردي الشيء الذي أدى الى حصول انكماش في اقتصاديات دول العالم عن طريق انخفاضات متتالية لناتجها المحلي الخام ودخولها اقتصادياً بمرحلة الكساد. هذا الشيء الذي أوجب حكومات هذه الدول باتخاذ سياسة نقدية الرامية إلى إغراق هذه الدول بالأموال عن طريق جعل عملية الاقتراض من المصارف رخيصة بتخفيضها لسعر الفائدة المصرفية الأساسية إلى الحضيض, وذلك من أجل إعادة وتنشيط الحركة الاستهلاكية لدى مواطنيها.

إن ما حدث مؤخراً في إمارة دبي, عبارة عن صورة واقعية ومستقبلية للهزة الاقتصادية التي أصبحت, وللأسف, أكثر السيناريوهات قابلية للحدوث للاقتصاد العالمي. حكومة دبي والذي يبلغ حجم اقتصادها 37 مليار دولار استطاعت وبعكس كل القواعد المصرفية الاقتراض مبالغ طائلة تكاد تصل إلى 90 مليار دولار( ما يقارب ثلاثة أضعاف ناتجها المحلي الخام) لاستثمارها في سوق العقارات, وحققت دبي ما لم تحققه عواصم بالمنطقة مثل الرياض, القاهرة, ولكن سرعان ما عصفت الأزمة بأحلامها كونها لم تستطع منذ بداية استثماراتها إدارة المخاطر التي أوقعتها في لهيب الأزمة الاقتصادية العالمية, حيث انخفض أسعار عقاراتها بنسبة 60%.

هذا الشيء يعكس لنا اليوم ,بنظري, الخطورة من وراء السياسات النقدية التي اتخذتها المصارف المركزية في غالبية دول العالم في تعاملها من أجل إخراج اقتصادها من أزمة الرهن العقاري!! عدى عن كون غالبية هذه الدول تعاني اليوم من نسبة عالية من القروض نسبة للناتج المحلي الخام ( نسبة 78% في الدولة العبرية, 70% في الولايات المتحدة, على سبيل المثال) فإن هذه السياسة, أدت إلى دفع المضاربين والمستثمرين إلى شراء النقود بسعر فائدة منخفضة (عن طريق الاقتراض) وبالمقابل يتم استثمارها في شراء أصول متعددة مثل الأسهم , السندات , الذهب والنفط مما يؤدي إلى زيادة أسعارها. فليس غريب اذاً أن نرى أسعار الأسهم في مؤشر تل أبيب 25 (على سبيل المثال) ازداد بنسبة 68% منذ بداية هذا العام , ارتفاع سعر أنقية الذهب بنسبة 32% منذ بداية هذا العام لتصل قرابة 1,200 دولار مؤخراً وارتفاع سعر برميل النفط الخام من 30دولار منذ بداية هذا العام إلى ما يقارب 80 دولار , على الرغم من قيام وكالة الطاقة الدولية مؤخراً بتخفيض توقعاتها من الطلب على النفط بمعدل 3 مليون برميل في السنة في الخمس سنوات القادمة!!

لكن وبالمقابل, نرى أن العديد من دول العالم, تتسابق الواحدة تلو الأخرى بالإعلان عن حدوث ارتفاع في ناتجها المحلي الخام في الربع الأخير من هذا العام الشيء الذي يشير إلى بدء خروج هذه الدول من لهيب الأزمة الاقتصادية العالمية. فعلى سبيل المثال, كان هنالك ازدياد بنسبة %2.2 في الدولة العبرية, ازدياد بنسبة 2.9% في الولايات المتحدة, ازدياد بنسبة 8.9% كانت النسبة في الصين ومؤخراً الهند بنسبة 8%. علينا في هذا السياق أن نكون أكثر حذراً في تقييمنا لهذا الانتعاش, فبعد فحص بسيط نجد أن هذه الزيادة في الناتج المحلي الخام ناجمة في القسط الكبير منها من ازدياد الاستثمارات وخاصةً العقارات منها, وليس من زيادة الاستهلاك الفردي والذي هو الهدف الأساسي من وراء السياسة النقدية!! فبعد أن قامت هذه الحكومات بتطبيق سياستها النقدية الضخمة ( بحجم 586 ميليارد دولار في الصين, تريليون دولار في الولايات المتحدة الأمريكية, على سبيل المثال) نرى انه هنالك ارتفاع ملحوظ بأسعار العقارات, في غالبية الدول, الشيء الذي يوحي لنا أن التحفيزات الحكومية في حقيقة الأمر وفي قسطها الكبير لم تكن فعّالة فهي استغلت من قبل المستثمرين والمضاربين من أجل المضاربة وجني الأرباح.

هذا الشيء أدى ايضاً إلى ارتفاع مؤشر الأسعار, فعلى سبيل المثال وصلت نسبة التضخم المالي 2.9% في الدولة العبرية منذ بداية هذا العام وهي عبارة عن الزيادة القصوى التي تسمح بها الحكومة, الأمر الذي أوجب محافظ البنك المركزي في البلاد إلى رفع نسبة الفائدة بشكل طفيف لتصل إلى نسبة 1%, لمكافحة التضخم المالي. فمن هذا المنطلق فإن خطر التضخم المالي الذي نجم عن المبالغ الهائلة التي أدخلتها الحكومات إلى الأسواق, أصبح أكثر واقعية, الشيء الذي يوجب على الحكومات برفع سعر الفائدة الأساسية بشكل قوي, مما يجعل المضاربين بتحقيق استثماراتهم وبنقلها إلى المصارف لجني أرباح من سعر الفائدة التي أصبحت أكبر من قبل.

هذا السيناريو, بنظري أصبح قريب الحصول!!. الأدهى من كل ذلك , فان هذا السيناريو, وان أصبح قريب المنال, فان تعاطي الحكومات معه سوف يكون أكثر ألماً على الاقتصاد إذ أن الحل عن طريق زيادة العجز أصبح غير وارد لأنها منهكة أصلاً بالعجز كونها أفرغت صناديقها في اليوم الأول منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية, فعلى سبيل المثال, في البلاد هنالك عجز بمبلغ 46 مليون شاقل أي ما يقارب 12 مليون دولار(6% من الناتج المحلي الخام), وفي الولايات المتحدة الأمريكية هنالك عجز بمبلغ 1.4 تريليون دولار (10% من الناتج المحلي الخام) وفي الصين عجز بمبلغ 139 مليار دولار (3% من الناتج المحلي الخام)., فلذلك فإن الحل والوحيد, بنظري, يكون بفرض الضرائب الشيء الذي من شأنه زيادة عدد العاطلين عن العمل عما هو عليه اليوم , فجميعها تعاني من نسب مرتفعة من البطالة (8% في الدولة العبرية, 10% في الولايات المتحدة الأمريكية).

وفي حقيقة الأمر أنني لا ابن على نمو اقتصاديات الدول الناشئة كالصين في إنعاش وشفاء الاقتصاد العالمي, فهي دول تبق صغيرة مقارنةً باقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الاقتصاد الذي يبلغ حجمه مقدار 14 تريليون دولار وفيه 300 مليون مستهلك يستهلكون 70% من الناتج المحلي الخام سنوياً, هو لا غير بشفائه سوف يخرج الاقتصاد العالمي من أزمته. على العكس منه تماما الاقتصاد الصيني الذي يبلغ حجمه ما يقارب 4 تريليون دولار وفقط 30% منه يتم استهلاكها من قبل 1.4 مليار مواطن!!فمن هذا المنطلق برأيي أن شفاء الاقتصاد العالمي, لم يتم إلا بخروج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة!!بنظري.

وعلى الرغم من الانتقاد اللاذع الذي املكه تجاه المسؤولون في حكومة دبي لما أبدوه من عدم مسؤولية اقتصادية وقومية تجاه تعاطيهم مع هذه الأزمة,إلا أنني أرى أن حكومة دبي سوف تحصل على الدعم من إمارة أبو ظبي, ملزمةً أمريكياً وليس مخيرةً قومياً وذلك من أجل منع تلقيها المساعدات من الايرانيين وازدياد نفوذهم بالخليج!!. سواء كان هذا الحل أم ذاك, لم يبق لي إلا أن انع المنظومة الاقتصادية الرأسمالية على فشلها الواحد تلو الآخر من منعها للمشاكل الاقتصادية الأخيرة!!

زياد توفيق أبو حبلة

مدقق حسابات , خبير ضرائبي واقتصادي – جامعة حيفا.