نبض الحياة: بلوط يعترف ويقرع الجرس

2026-05-07 13:31:55

من الجلي بالغ الوضوح أن قراءة بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية لجرائم قطعان المستعمرين ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، يعكس الالتفاف على مخرجاتهم السياسية، وهو ليس ناتجا عن غباء، انما لكونه مرتبط بأهداف المشروع الاستعماري الإسرائيلي، رغم انهم يلحظون خطورة ما يسمونه "الإرهاب اليهودي"، لإضفاء الصبغة "القومية" على الديانة اليهودية، ولم يكن إطلاق وتعميم هذا المفهوم وليد الصدفة، أو عفويا، بل هادفا ومقصودا. ويعتقد أولئك القادة أن تحقيق الأهداف الصهيونية يمكن من خلال خيارات أخرى، تربط بين سياسة "العصا والجزرة"، وليس العصا فقط. لأن الاكتفاء والاعتماد على العصا لوحدها يحمل في طياته أخطارا مستقبلية على الدولة الإسرائيلية والمشروع الصهيوني برمته. لأن استمرار الضغط والكبت والقمع والحرق والموت والابادة ضد الفلسطينيين سيفجر خزان السخط والغضب الفلسطيني، الذي يعيش حالة مخاض متفاقم قد ينفجر في كل لحظة، ودون سابق انذار.

وهذا ما يخلص اليه الجنرال آفي بلوط قائد المنطقة الوسطى في جيش الموت الإسرائيلي بالقول، إن "من المعجزة تقريبا أن يبقى الجمهور الفلسطيني غير مبالٍ بالإرهاب اليهودي، لكن هذا لن يستمر الى الابد." وهو ما نقلته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في يوم الخميس 30 نيسان / ابريل الماضي، عن مصادر شاركت في منتدى مغلق حاضر فيه بلوط قبل أسبوع من نشره في الصحيفة، وقال، بأن إقامة 150 "مزرعة" - مستعمرة استيطانية في الضفة الغربية أقيمت بالتنسيق مع الجيش ومع مؤسسات الدولة، تساعد في منع "انتشار البناء الفلسطيني غير القانوني "في مناطق "ج". وأضاف أنه اقترح على المجلس الوزاري "الكابينت" منح تسهيلات للفلسطينيين، وتابع "قلت إنه ينبغي أن تكون لدينا أيضا أدوات لتهدئة الأوضاع من حين لآخر، عبر سياسة العصا والجزرة، لا فقط العصا والعصا والعصا."

ورغم أن قائد المنطقة الوسطى تحدث بلجهة حادة ضد عنف وإرهاب المستوطنين في الضفة الفلسطينية، وعرّفه بأنه "إرهاب يهودي"، محذرا من أنه قد يؤدي الى اندلاع انتفاضة فلسطينية عنيفة. وبدل أن يستخلص مخرج سياسي للخروج من مأزق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التاريخي، ذهب الى التمييز بين المستعمرات التي أُقيمت "بالتنسيق مع الجيش ومؤسسات الدولة"، وبين البؤر الاستيطانية التي تقام دون تنسيق، وتطلق على نفسها اسم "مزارع". وكأن هناك مستعمرات "شرعية" وأخرى "غير شرعية"، أو مستعمرات ترتكب الإرهاب والعنف، وأخرى "بريئة من الإرهاب"، ويتضح انه قفز عن حقيقة بالغة الدلالة والوضوح في القانون الدولي، من أن كل المستعمرات المقامة على أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة بعد الرابع من حزيران / يونيو 1967، هي إرهابية، أو بتعبير أوضح هي جرائم حرب إسرائيلية، كما نصت على ذلك القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تموز / يوليو 2024.

وللتخفيف من جرائم وإرهاب قطعان المستعمرين ضد الفلسطينيين، استخدم مقولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في توصيفهم بأنهم "شباب هامشيين فوضويين"، وأفترض أن معالجة ارهابهم بحاجة الى تدخل خدمات الرفاه. وكان رد المستعمرين عليه، ونقله للحاضرين المنتدى بالقول: "كان هناك من ظن أن هذا هو وقت "ياجوج ومأجوج"، وانه الوقت المناسب لاحتلال مناطق "أ". وأضاف "هؤلاء لا يرون العرب بشرا، ويعتقدون أنه يمكن حرق اشخاص وبيوت على من فيها، ويفعلون ذلك مرارا وتكرارا، واعتقدوا أنهم "يمحون عار أوسلو". وأردف قائلا "هم ليسوا مهنيين جدا، يقولون لي: نحن أبطال داود، وكل الردع بفضلنا." وردهم عليه ليس جهلا، أو لأنهم "ليسوا مهنيين جدا"، انما هو انعكاس لخطاب نتنياهو وبتسلئيل سموتريش وايتمار بن غفير وغيرهم من اركان الائتلاف الحاكموبرنامج الحكومة السادسة، وهو خطاب مؤدلج ومرسخ في وعي غالبية المجتمع الاستعماري الإسرائيلي، ولا ينحصر في قطعان المستوطنين القتلة.

ورغم اعترافه بأن المستوطنين يمثلون خطرا على الدولة الإسرائيلية والمشروع الصهيوني الاستعماري برمته، الا انه يغض النظر عن الحل السياسي المستند الى خيار حل الدولتين على حدود يونيو 1967، ويلجأ لحلول ترقيعية وهمية، عندما أشار الى مسؤولية الحكومة وسياساتها الناجمة عن عدم تحويل أموال الضرائب التابعة للسلطة الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، كما حمل أجهزة الامن بما فيها الشرطة والقضاء الإسرائيلي الذي يجري محاكمات وهمية ضد مرتكبي الجرائم والإرهاب من المستوطنين تنفيذا لقرار وزير الحرب يسرائيل كاتس. وأضاف قلت لرئيس الوزراء رغم أن مستوى "الإرهاب الفلسطيني" في أدنى مستوياته، لكن هناك نارا مشتعلة دائما ولا نعرف أين سيحدث الانفجار، وعندما يحدث، يحدث بسرعة."

نعم أعترف آفي بلوط بالأخطار الناجمة عن جرائم المستعمرين، وقرع جرس الإنذار بشأن الانفجار الشعبي الفلسطيني في كل لحظة، لكنه أسقط الحل الجذري لمجابهة الإرهاب الصهيوني – أي الحل السياسي ومنح الشعب الفلسطيني حريته واستقلاله على ارض دولته الوطنية وعاصمتها القدس الشرقية وضمان عودة اللاجئين لديارهم، وأغمض عينيه عن تداعيات الاستيطان الاستعماري والمستعمرين، الذي لا يهدد الفلسطينيين فحسب، بل يهدد الدولة الإسرائيلية اللقيطة والمشروع الصهيوني برمته.