بالكازار يكشف جزء من الحقيقة
تملي الضرورة الفصل بين المحرقة النازية الألمانية الهتلرية ضد اتباع الديانة اليهودية اثناء الحرب العالمية الثانية 1939 -1945، وبين الملفات الأخرى ذات الصلة بالمسألة اليهودية. كما لا يجوز وضع اليهود عموما في سلة واحدة، فهناك يهود ملتزمون بديانتهم الأصلية ك "السمرة" في جبل جرزيم – نابلس، واتباعهم وامثالهم، وهناك يهود الخزر الصهاينة الذين تواطؤا مع دول الغرب الرأسمالي في اغتصاب الديانة اليهودية، وألبسوها ثوبا ليس لها، وحرفوا مقاصدها الدينية الصرفة، واغرقوها في متاهة السياسة، وحولوها الى أداة لخدمة الغرب في اغتصاب فلسطين وطرد الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني من وطنه الام – ما يزيد عن 950 ألف شردوا وطردوا من ديارهم الى الشتات والمنافي، ومازالت دولتهم اللقيطة التي أصل لها الانتداب البريطاني ومن خلفه الولايات المتحدة باحتلال الجزء الأكبر من فلسطين في عام النكبة الأولى 1948، ومازالوا صهاينة الدولة اللقيطة بدعم كامل من الإدارات الأميركية يواصلون ارتكاب جرائم الحرب والابادة الجماعية ضد الفلسطينيين لنفيهم وطردهم وتهجيرهم قسريا من مدنهم وقراهم ومخيماتهم، لإقامة دولة إسرائيل الكاملة على فلسطين التاريخية.
ومن يعود لتاريخ اليهود المتنفذين وأرباب رأس المال في دول أوروبا الغربية ما بين 1100 و1600 ميلادية، أي في حقبة التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الاقطاعية، الى بدايات تشكل الثورة البرجوازية ونشوء الدولة القومية، خلال القرون الخمسة تم الطرد الجماعي المتكرر لليهود 38 مرة بسبب الربا والسيطرة على المال من أبرزها: بريطانيا (1290)، فرنسا (عدة مرات أبرزها 1394)، المجر-هنغاريا (1349)، النمسا (1421)، واسبانيا (1492)، والبرتغال (1497)، وإيطاليا وألمانيا. وأسباب ذلك الطرد يعود الى: الاضطهاد الديني، دورهم المركزي بالربا، والتعصب الكنسي، وغيرها.
جاء ذكر التواريخ آنفة الذكر، للتأكيد على نقطة هامة في تاريخ اتباع الديانة اليهودية وخاصة النخب المتنفذة منهم، كونهم شكلوا تاريخيا نقطة تضاد مع اقرانهم من سكان تلك البلاد، للاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية المالية وأيضا الدينية، حيث مازال آنذاك دور الكنيسة مؤثرا في أوساط شعوب تلك البلدان. ورغم ذلك بقيت المسألة اليهودية من أكثر الملفات إثارة واشكالية في أوساط الشعوب الأوروبية، وكان لا بد للغرب الرأسمالي التخلص والتحرر من تلك المسألة، ونقلها واستخدامها لحساب مصالحها في مكان آخر من الجيوسياسية الأوروبية، وللأسف كان الوطن العربي عموما وفلسطين خصوصا المكان الأمثل لتحقيق المآرب الرأسمالية الغربية. ومازال الشعب الفلسطيني وشعوب الامة العربية يدفعون الثمن غاليا حتى الان وفي المستقبل المنظور والوسيط، والى حين حل المسألة الفلسطينية وتحرر الشعب الفلسطيني.
ما تقدم له عميق الصلة بما ذكره الرئيس البيروفي خوسيه ماريا بالكازار مساء الثلاثاء 28 نيسان / ابريل الماضي في كلمته التي القاها في الذكرى السنوية ال 138 لتأسيس غرفة تجارة ليما عاصمة البيرو، وجاء فيها "كيف يعقل أن المانيا دُفعت الى الحرب، جزئيا أيضا، بسبب اليهود؟ لأنهم كانوا يسيطرون على كل البنوك، وكل التجارة، وكانوا يمارسون الربا." ووفق بيان الرئاسة البيروفية، فإن ما ورد على لسان الرئيس المؤقت بالكازار (83 عاما)، استقاها من "فكر الكاتب الاسباني أنطونيو إسكوهوتادو في كتابه "أعداء التجارة" (2008 و2013). فضلا عن أن الرجل هو محامي قدير ومثقف، ولم يلق الكلام جزافا، انما له أساس في الواقع الأوروبي.
صحيح جدا، ان دور اليهود الاقتصادي والمالي أسهم بذلك، لكن الأسباب الاوسع تتمثل في: أولا الازمة الاقتصادية العالمية والركود الكبير 1929 وتداعياته؛ ثانيا صعود النازية الهتلرية لسدة الحكم في المانيا 1933 وطموحاتها العرقية الشوفينية؛ ثالثا الصراع بين الأقطاب الرأسمالية على تقاسم النفوذ على كعكة العالم؛ رابعا الطموح الأميركي الكبير في تغيير الجيوسياسية العالمية، والاندفاع لتقدم صفوف النظام الرأسمالي وقيادته، وبناء عالم القطبين الرأسمالي والاشتراكي؛ خامسا نقل المسألة اليهودية بثوبها الصهيوني الى الوطن العربي وخاصة فلسطين، وإعادة التأصيل للنازية بملامح صهيونية وعلى انقاض الشعب العربي الفلسطيني.
ما جاء على لسان الرئيس البيروفي اثار ردود فعل من السفارتين الإسرائيلية والألمانية، الذين طالبوا بالكازار بالتراجع عما ذكره، والاعتذار، لكن البيان الرئاسي البيروفي لم يحمل أي تراجع، لأن الكاتب الاسباني أعتمد على وثائق تاريخية، ولم يتجنَ على النخب المالية من اتباع الديانة اليهودية. وهذا لا علاقة له ب "معاداة السامية"، ولا بتحميل الأقطاب المالية اليهود أكثر مما يتحملونه من مسؤولية في المساهمة في اشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، التي تحل بعد 5 أيام الذكرى ال 81 الانتصار على النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرتاريا الاسبانية واليابانية، أي في التاسع من أيار / مايو الحالي. ولعل ما اوردناه في بداية المقال يعمق ما ذكره الرئيس البيروفي والكاتب الاسباني.