اليوم التالي ليوم العمال العالمي
لم تعد الأرقام مجرّد بيانات تُتلى في تقارير، بل تحوّلت إلى إشارات إنذار متكرّرة، تعكس واقعًا اقتصاديًا يتآكل تحت ضغوط داخلية وخارجية متشابكة. عالمٌ مضطرب، عملةٌ تتقلّب، وأسواقٌ غير مستقرة… لكن أثر ذلك كلّه يظهر هنا، في تفاصيل حياة الناس.
ترتفع تكاليف المعيشة، تضيق الرواتب، وتزداد الأعباء على الأسر. وبينما يزداد الفقير هشاشة، تتّسع الفجوة مع من استطاع أن يحمي نفسه. هذا ليس توصيفًا نظريًا، بل واقعٌ يوميّ يعيشه الجميع بدرجات مختلفة.
نعم، الاحتلال عاملٌ حاسم.
ونعم، الاقتصاد العالمي يضغط بقوة.
لكن، وبكل صراحة مطلوبة: هذا لا يعفينا من مسؤولية السؤال الأصعب—كيف ندير نحن أزمتنا؟
في عشية يوم العمال العالمي، سمعنا أرقامًا من أطراف مختلفة:
الحكومة تتحدث عن نحو 500 ألف عاطل عن العمل، وتشير إلى أزمة سيولة، وتعرض برامج تمويل صغيرة.
النقابات ترفع الرقم، وتصف المرحلة بأنها من الأصعب.
أصحاب العمل يتحدثون عن منشآت مدمّرة وخسائر كبيرة.
والعامل… يختصر المشهد كله بصوتٍ واحد: القلق على لقمة العيش.
كل طرف يقول جزءًا من الحقيقة.
لكن الحقيقة الكاملة تقول: نحن أمام أزمة مركّبة، لا يكفي معها توصيفٌ دقيق، بل تحتاج إلى تحوّل في طريقة العمل.
هنا، لا بد من أسئلة واضحة، لكن بروح بنّاءة:
حين نتحدث عن مئات آلاف العاطلين، هل تكفي برامج التمويل الصغيرة كاستجابة؟
وحين تتكرر نفس المطالب كل عام، هل نحن أمام عجز في الأدوات، أم في آليات التنفيذ؟
وحين يشعر العامل أنه مكشوف اقتصاديًا، هل منظومات الحماية الحالية كافية فعلًا؟
هذه ليست أسئلة اتهام، بل أسئلة مسؤولية مشتركة.
فالحكومة مطالبة—أكثر من أي وقت—بالانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مسارات تعافٍ حقيقية، قائمة على سياسات متكاملة لا مبادرات متفرقة.
والنقابات، بثقلها التمثيلي، مدعوّة لتعزيز أدوات التأثير، وتحويل الصوت الاحتجاجي إلى نتائج ملموسة.
وأصحاب العمل، كشركاء في الاقتصاد، لهم دور في حماية استدامة السوق لا فقط البقاء فيه.
أما العامل، فهو البوصلة. إن اختلّت حياته، اختلّ كل شيء.
وفي غزة، يتجاوز المشهد حدود الاقتصاد، ليصبح اختبارًا قاسيًا لكل النماذج التي اعتمدناها. هناك، لا تحتاج الأرقام إلى تفسير، بل إلى استجابة مختلفة تمامًا.
وفي قلب أي مسار إصلاحي، تبقى الأولويات واضحة:
الشباب: ليسوا طابور انتظار، بل طاقة يجب أن تتحول إلى إنتاج.
النساء: مشاركة اقتصادية لا تزال دون الإمكانات، رغم وضوح العائد.
وذوو الإعاقة: من الرعاية إلى التمكين—هذا انتقال لم يعد يحتمل التأجيل.
كما أن البيئة التشريعية، بكل ما فيها من قوانين مؤجلة أو غير مكتملة، تحتاج إلى حسم. لا لأن النصوص هدف بحد ذاتها، بل لأنها إطار لحماية الناس وتنظيم السوق.
ومأسسة الحوار الاجتماعي يجب أن تتجاوز منطق اللقاءات الموسمية، إلى شراكة مستمرة، تُقاس بنتائجها لا بصورها.
ثم هناك التحوّل الأكبر: العالم يتغير بسرعة.
العمل الرقمي، الذكاء الاصطناعي، وأنماط الإنتاج الجديدة… كلها ليست رفاهية، بل أدوات بقاء. والسؤال ليس هل نواكبها، بل كيف نستخدمها بذكاء.
الخلاصة ليست في إعادة سرد الأزمة، بل في كسر نمط التعامل معها.
لسنا أمام نقص أفكار، بل أمام حاجة إلى قرار.
ولا أمام غياب مبادرات، بل أمام غياب إطار جامع.
هذا الحديث ليس ضد أحد، بل مع الجميع—لأن الكلفة تُدفع من الجميع.
السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا:
متى ننتقل من توصيف الواقع… إلى تغييره؟
ومن إدارة الضغوط… إلى صناعة الفرص؟
هل نصنع غدًا مختلفًا؟
أم نكتفي، كل عام، بإحصاء الخسائر… وإعادة كتابة نفس المقال؟