"ذاكرة مدينة البيرة".. د. إيمان الهريدي توثق "التاريخ من الأسفل" لحماية السردية الفلسطينية من الاندثار
في محاولة جادة لكسر قوالب الأرشفة الجامدة وتحويل التاريخ إلى نبض حي، أطلقت مجموعة "ذاكرة مدينة البيرة" كتابها الجديد الذي صاغته الإعلامية الدكتورة إيمان الهريدي.
الكتاب ليس مجرد توثيق لأسماء وتواريخ، إنما هو مشروع وطني يسعى لإعادة بناء الذاكرة الجمعية لمدينة البيرة عبر حكايات أهلها وسير شخصياتها الفاعلة.
وفي حديثها لإذاعة "راية"، أكدت د. إيمان الهريدي أن الكتاب نتاج عمل دؤوب استمر لسبعة أشهر، وانطلق من رؤية مغايرة تبتعد عن التوثيق التقليدي.
وأوضحت الهريدي أن المنهج المتبع هو "كتابة التاريخ من الأسفل"، أي التركيز على سير الناس العاديين والشخصيات المؤثرة اجتماعياً، ودمج اللغة التوثيقية بالعاطفية لجعل القارئ يعيش التجربة وكأنها تاريخ "محسوس ومتحرك".

15 قصة وحكايات الطفولة والشغف
يضم الكتاب 15 قصة توثق حياة 19 شخصية من مختلف أطياف المجتمع البيراوي، تم اختيارهم من قبل مؤسسات المدينة ليعكسوا بنية مجتمعية شاملة.
وأشارت الهريدي إلى أنها ركزت بشكل خاص على "مرحلة الطفولة" للشخصيات؛ لإيصال رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني ولد من رحم الفرح والبساطة وحب الحياة، وليس من الألم وحده.
كما ركز الكتاب على ثيمة "التعليم" في الثلاثينيات والأربعينيات، مبرزاً كيف كان التعليم سلاحاً للفلسطيني في مواجهة محاولات التجهيل والتهجير.

حماية السردية في وجه "غياب الذاكرة"
وشددت د. الهريدي على أن تدوين التاريخ الشفوي هو ضرورة وطنية في ظل "حرب السردية" التي يواجهها الفلسطينيون.
وقالت: "إذا لم نكتب تاريخنا، فسيكون صامتاً ومهدداً بالغياب. الذاكرة الموجودة في صدور الناس معرضة للاندثار مع رحيل كل شخص، لذا يجب أن تتحول هذه المشاهدات إلى أرشيف حي نابض".
واستعرضت المؤلفة نماذج ملهمة من الكتاب، منها قصة "نعمان عبد الدايم"، الفلاح الذي حمل سلاحاً بسيطاً وهو في العاشرة من عمره ليحرس أشجار التين في "وادي البيرة"، وشارك في معارك الأربعينيات وفقد ساقه، لتنشأ بينه وبين "الرجل الخشبية" علاقة وجدانية جسدت أسمى معاني التشبت بالأرض.
وكشفت د. إيمان الهريدي عن بدء العمل على "ترجمة الكتاب" للغات أخرى، تماشياً مع الوعد الذي قطعته المجموعة على نفسها بتوثيق حكايات كل فلسطيني.
وأكدت أن هذا الكتاب هو جزء من سلسلة قادمة تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني لدى الجيل القادم، ليعرف كيف يحمي مستقبله من خلال قراءة ماضي أجداده الذي "لا يزور ولا يموت".