الكرامة الفلسطينية بين حاجز أحتلال وشاحنة نفايات وغياب البدائل

2026-04-14 17:49:26

أربعون عاملاً فلسطينيا تعتقلهم قوات الأحتلال الإسرائيلي وهم داخل شاحنة نفايات أثناء محاولتهم العبور عبر حواجز الأحتلال العسكرية بحثاً عن لقمة العيش . مشهد صادم ، لكنه لم يعد مفاجئاً . ليس لأن الألم قد خف ، بل لأن تكراره كشف الحقيقة ، فنحن أمام واقع يُنتج الإهانة والذل  والقمع بشكل يومي .

الأحتلال الإسرائيلي يتحمّل المسؤولية الأولى ، فهو من يُحكم السيطرة على الأرض والمعابر والشوارع وحتى على ما في باطن الأرض ، ويخنق الأقتصاد ، ويغلق الأفق أمام مئات آلاف العمال من شعبنا ، ثم يُلاحقهم حين يحاولون كسر هذا الحصار . هذه معادلة قهر واضحة وحرمان من الحق ، ثم معاقبة على محاولة استعادة ذلك الحق الطبيعي  .

هذه ليست جريمة سياسة وامنية فقط ، بل نتيجة مباشرة لسياسات الأحتلال في إغلاق الأفق الاقتصادي ، التحكم في الحركة والتصاريح وسياسة تحويل الإنسان الفلسطيني إلى كائن مُعلق بين البطالة والإذلال حين يُجبر العامل على الاختباء في شاحنة نفايات ، فالمشكلة ليست في “الطريقة”، بل في الواقع الذي أوصله إلى هذه اللحظة .
ما جرى هو إدانة مزدوجة ، إدانة للأحتلال الذي يصنع شروط القهر ،
وإدانة لمنظومة دولية تتحدث عن الحقوق بينما تغض الطرف عن سحقها اليومي .

من جهة اخرى ، فأن الحقيقة الأكثر قسوة أن هذا المشهد لا يمكن فصله عن واقعنا الوطني الداخلي أيضاً ، فحين يُدفع العامل الفلسطيني إلى المخاطرة بحياته وكرامته بهذا الشكل بحثا عن لقمة العيش لأبنائه ، فهذا يعني أن هناك عجزاً وطنياً في محاولات الانفكاك الاقتصادي عن الأحتلال التي قيل عنها كثيرا ، وفي بناء بدائل اقتصادية حقيقية عن العمل داخل إسرائيل ، وهناك غيابا لرؤية اقتصادية قادرة على تمكين ابناء شعبنا من الصمود ، وهناك خللاً في إدارة الأولويات ، حيث تُترك فئات واسعة على هامش الحياة .
لا يمكن مواجهة سياسات الأحتلال فقط بشعارات الصمود ، بينما يظل الإنسان الفلسطيني مكشوف اقتصاديا واجتماعيا إلى هذا الحد المُذل الذي يسبب امتهان الكرامة الإنسانية لاي مواطن .
المسؤولية هنا ليست متساوية ، ولا يجب أن تُفهم كذلك ، فالأحتلال الإستعماري هو أصل المشكلة وجذرها ، وهو من يصنع شروط الأختناق . لكن استمرار هذا المشهد دون تدخل سياساتي وطني جدي هو فشل يجب الأعتراف به .

الأسئلة هنا ، لماذا يضطر عُمالنا ان يذهبوا بهذه الطريقة؟ لماذا لم ننجح في خلق واقع يُغنيهم عن ذلك؟ لماذا لم نبني إقتصاداً منتجاً وصناعة محلية وزراعة منتجة منافسة وخلق فرص عمل بدل تعزيز أنماط المجتمع الاستهلاكي وزيادة الاستيراد حتى للسلع المشابهة ؟ 
فبين قهر الأحتلال وقصور السياسات الوطنية المفترضة ، يُترك الإنسان الفلسطيني وحيدا في مواجهة خيارات مستحيلة ، فإما البطالة أو الإذلال أو المخاطرة بالبحث عن عمل الى حد الأعتقال أو الموت .

وما لم تتحول هذه الحادثة إلى لحظة مراجعة حقيقية سياسية واقتصادية فإنها لن تكون الأخيرة . بل ستبقى الكرامة الفلسطينية عالقة بين حاجز عسكري وشاحنة نفايات .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".