المؤتمر الثامن لحركة فتح: اختبار أخير لا يحتمل التجميل

2026-04-07 21:55:25

لم يعد ممكنا التعامل مع المؤتمر الثامن لحركة فتح بوصفه استحقاقًا تنظيمياً مؤجلًا أو مناسبة داخلية تُدار بلغة التوازنات المعتادة. نحن أمام لحظة مساءلة تاريخية لحركة لم تكن يوما مجرد تنظيم سياسي، بل التعبير الأوسع عن الإرادة الوطنية الفلسطينية في طورها الكفاحي الأكثر حضورًا وتأثيرًا.

اليوم، لا تُختبر "فتح" في قدرتها على عقد مؤتمر، بل في قدرتها على أن تسأل نفسها السؤال الذي طال تأجيله:

هل ما تزال فتح حركة تقود شعباً، أم أنها انشغلت طويلًا بإدارة نفسها؟

هذه ليست صيغة بلاغية ،،  هذه هي العقدة كلها.

الخطر لا يكمن في فشل المؤتمر، بل في نجاحه الشكلي ،، أن يخرج منظمًا ومتوازنًا في الصورة، فيما تبقى الأزمة على حالها في العمق. فالقضية لم تعد في انعقاده، بل في ما إذا كان سيكسر الحلقة المغلقة التي دارت فيها الحركة لسنوات، أم سيعيد إنتاجها بشكل أكثر أناقة.

تأتي هذه المحطة فيما يمر المشروع الوطني الفلسطيني بواحدة من أكثر لحظاته قسوة: احتلال يتمدد بلا كلفة كافية، أفق سياسي مغلق، ونظام إقليمي يُعاد تشكيله على حساب الأولويات الفلسطينية، وانقسام داخلي استنزف الجوهر قبل أن يستنزف المؤسسات، حتى بات يفرغ الفكرة الوطنية من مضمونها تدريجيًا لا بضربة واحدة، بل بتآكل صامت ومستمر.

لكن، مع خطورة هذا كله، فإن السؤال الذي لا يجوز الهرب منه هو: ماذا جرى داخل الحركة نفسها؟

ما جرى ليس تفصيلًا تنظيميا عابرا، بل مسار تآكل بطيء أصاب الحيوية، وأضعف الفاعلية، ووسع المسافة بين القيادة والقاعدة، وبين الخطاب والناس، وبين تاريخ الحركة وصورتها الراهنة في الوعي العام.

لم تعد المشكلة في غياب اللغة، بل في اهتزاز المصداقية. ولم يعد السؤال: ماذا تقول فتح؟ بل: كم بقي في الشارع من يثق بأن ما تقوله فتح سيتحول إلى فعل؟

في كل دورة تنظيمية يُرفع شعار "التجديد"، لكن التجربة أثبتت أن الكلمة وحدها لا تكفي. فالتجديد ليس إدخال أسماء، ولا تحسين الإخراج، ولا تدوير المواقع، بل إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع، ومع الكوادر، ومع فكرة القرار نفسها. وأي تغيير لا يمس قواعد العمل، لا الوجوه فقط، سيظل تغييرًا تجميلياً مهما بدا صاخباً.

ومن الطبيعي أن يكون المؤتمر ساحة لإعادة ترتيب موازين القوى، لكن الخطر أن يتحول ذلك إلى صراع مواقع بلا مشروع، ومعركة حصص بلا رؤية. فتح لا تحتاج إلى تبديل أشخاص داخل المعادلة القديمة، بل إلى مراجعة المعادلة نفسها: كيف يُصنع القرار؟ من يمثل من؟ وأي شرعية باتت كافية في زمن لم تعد فيه الشرعية التنظيمية وحدها تكفي دون شرعية الإنجاز والاقتراب من الناس؟

الشارع الفلسطيني ليس متفرجًا. هو الطرف الذي سيحكم فعليا على المؤتمر بسؤال بسيط وحاسم: هل تغيّر شيء؟

الناس لا تريد خطاباً جديدًا، بل سلوكًا مختلفًا، وقدرة على تحمل المسؤولية، واستعدادًا للاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن الإنجازات. وأي مؤتمر لا يترك أثرًا خارج القاعات سيبقى حدثًا تنظيمياً بلا قيمة سياسية، مهما كانت ضخامته.

وفي قلب هذه اللحظة، يبرز سؤال الأسرى بوصفه اختبارًا أخلاقياً لا يجوز تأجيله. فالأسرى ليسوا رمزًا يُستدعى، بل معيارًا لصدق الحركة مع نفسها. تمثيلهم الفاعل ليس إضافة شكلية، بل تذكير بأن من دفعوا أثمان الحرية يجب أن يكونوا شركاء في تجاوز الأزمة، لا شهودًا عليها.

أما الاختبار الحقيقي، فيبدأ بعد المؤتمر:

هل ستتحول المخرجات إلى قرارات؟

هل ستفتح مسارات جديدة؟

هل ستُردم الفجوة مع المجتمع؟

أم سنكون أمام إعادة إنتاج للمشهد ذاته بإخراج أفضل؟

أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفشل المؤتمر ،،، بل أن ينجح في إقناعنا بأنه نجح، بينما يبقى كل شيء في مكانه. فبعض المؤتمرات لا تنتج حلولًا، بل تنتج وهمًا مريحاً بوجود حلول.

المؤتمر الثامن ليس محطة عادية، بل اختبار أخير لجدية "فتح" في مواجهة نفسها. إما أن يكون نقطة تحول تعيد للحركة معناها ودورها، أو لحظة تثبيت لمسار تراجع لم يعد قابلًا للاستمرار.

في السياسة، لا يكفي أن يكون لك ماضٍ كبير لتضمن مستقبلًا مستحقاً،

لأن التاريخ، لا يمنح الفرص إلى ما لا نهاية.

السؤال ليس: من سيربح داخل المؤتمر؟

بل: ماذا سيبقى من "فتح" بعده، إن لم يربح فيه منطق المراجعة على المكابرة، ومنطق الرؤية على منطق الحصص؟

وإن لم يحدث ذلك، فلن نكون أمام المؤتمر الذي تمنّاه الجميع، بل أمام محطة تُكرّس العجز، وتُعيد إنتاج الفراغ، وتمنح الأزمة عمرًا أطول مما يحتمل.