أمن الخليج والأمن العربي المشترك؟

2026-04-06 09:53:29

بصيغتنا العروبية الوحدوية الجامعة فإن "أمن الأمة العربية لا يتجزأ"، فحيث تمَّ الاعتداء على أي جزء من هذه الأمة التي قلبها النابض فلسطين، فهو اعتداء علينا.

لم تكن مثل هذه العبارة جديدةً أو وليدةَ ما يحدث اليوم من حرب أشعلها النَّزِق والسفيه منذ مذبحة المستشفى المعمداني في غزة في 17/10/2023 حتى الحرب على إيران، بل هي أقدم من ذلك بكثير؛ إذ كانت جزءاً من مضمون أحاديث كثيرة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر -وكل المؤمنين بالأمة- الذي طالما ردَّد في خطاباته الجماهيرية الحاشدة عباراتٍ تقول إن "أمن الأمة العربية لا يتجزأ"، ومنها أن "ما يصيب أي قُطر عربي يصيب الأمة العربية كلها"، وبصيغ تقول إن "المعركة واحدة والمصير واحد والعدوان على جزء يمثِّل عدواناً على الكل"، و"نحن أمة عربية واحدة يجمعها تاريخ مشترك وكفاح مشترك".

قال الرئيس جمال عبد الناصر في إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة نصاً: "لقد أثبتت الأحداث أن العرب لا يستطيعون أن يعيشوا متفرِّقين، وأن قوتهم في وحدتهم".

في المقابل، حيث تتموضع فلسطين في القلب، كان مما يُؤثَر عن الزعيم الجزائري هواري بومدين قوله العظيم "نحن مع فلسطين ظالمةً أو مظلومة"، باعتبار فلسطين قلب الأمة. ومما ذكره الملك السعودي الشهيد فيصل بن عبد العزيز قوله "قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى ولن نتخلى عنها".

ومما يُنقَل من أقوال الشيخ عبد الله السالم الصباح الملقَّب بأبي الدستور الكويتي قوله: "وحدة العرب وعودتهم إلى وحدة الصف والكلمة من شأنها القضاء على الفرقة والخلافات بينهم وعلى التجزئة والتناقضات السياسية والاجتماعية الكثيرة"، ومردِّداً أن "الاتحاد قوة والتفرقة ضعف وهوان".[1]

ومن أقوال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسِّس دولة الإمارات: "إن الوحدة العربية التي تعتبر دولة الإمارات نواتَها ليست حلماً أو ضرباً من الخيال، ويمكن لهذه الأمة تحقيقه إذا صدقت النوايا وتفاعلت الأماني بالعمل". وإن "روابط الدم واللغة والعادات والتقاليد والتراث والمصير الواحد التي تجمع أفراد القوات المسلحة بدولة الإمارات مع إخوانهم بدول مجلس التعاون تعكس أصدق المشاعر والمسؤولية بين أبناء الأمة الواحدة".[2]

أما فلسطين والثورة الفلسطينية فقد اعتبرت نفسَها الامتداد الطبيعي للثورة العربية، وأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الأمة، كما ورد في وثائق منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الفلسطينية، وأن القاطرة الفلسطينية لا تسير إلا بالقطار العربي.

وإلى ما سبق يمكننا الإشارة إلى الرئيس الحبيب بورقيبة في قوله "مصير العرب مشترك مهما اختلفت الظروف"؛ هذا ورغم اختلافه سياسياً آنذاك مع كثير من قادة العرب، إلا أنه أقرَّ بوحدة المصير.

تراجع الفكر الوحدوي

قد يقول قائل إن هذا كان في زمن مضى وانقضى، وأن هذه المفاهيم العروبية قد تراجعت، وهو ما نتَّفق معه، ويمكن إرجاعه لأسباب كثيرة، من مثل: الصدمة الكبرى والهزيمة في حرب 1967م، وانهيار مشاريع الوحدة كقيام ثم انهيار مشروع الوحدة العربية بين سوريا ومصر عام 1961م، وما حصل من اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979م. وإلى ذلك صعود القُطرية أو الوطنية بعد السبعينيات وظهور النظرية الواقعية السياسية، وما تلاها من انقسامات حادة نتيجة الحروب، كالحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م) والانقسام العربي حولها، ثم حول غزو دولة الكويت. ثم ما كان من اجتياح العولمة وظهور التحالفات الكبرى الذي أنتج أن القرار الأمني لم يعد عربياً خالصاً.

لا يغيب عن الذهن صدمة ما بعد الربيع أو الخريف العربي، وظهور قوى الإسلاموية الإقصائية، ثم ما حصل من تفكُّك دول عديدة مثل سوريا وليبيا والسودان واليمن، وما صاحب ذلك من تدخلات إقليمية هائلة سواء صهيونية، أو إيرانية أو تركية، مما حوَّل مفهوم "الأمن العربي المشترك" إلى ملفات متصارعة داخل كل دولة تُحيط نفسها بجدار عازل عن المجموع العربي وتستنجد منفردةً بالأجنبي.

بل يمكننا أن نجد تحلُّل مفهوم الأمن العربي المشترك بعد أن فقدت القضية الفلسطينية بريقها وتحوَّلت عند الأمة إلى مجرد شعار أو مرجعية عاطفية فحسب، وذلك نتيجة صدمات الهزائم وفشل مسار الوحدة أو الاتفاق. يعني ببساطة أن العرب انتقلوا من شعار أمن واحد ومصير مشترك إلى أنظمة (وطنية) متعددة لكل منها أمنه الخاص وتحالفاته الخاصة.

الخليج العربي والأمن العربي المشترك

في ظل تراجع نغمة الأمن العربي المشترك منذ السبعينيات، إلا أنه ظهرت مؤخرًا أفكارًا هامة تحثُّ على تحقيق أمن دول الخليج العربي على الأقل، كما ورد مثلاً في خطاب الملك سلمان في قمة مكة عام 2019 بعد تصاعد التوتر مع إيران، حين أشار بوضوح إلى أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي كلٌّ لا يتجزأ، عوضاً عن بيانات المجلس المتكررة بهذا الشأن، وما ورد عن عدد من قادة الخليج والأمة.

في التقرير الاستراتيجي للعام 2025 لمركز الخليج للأبحاث نجد الوعي الجمعي قائماً، بل وارتبط بالقضية الفلسطينية؛ إذ إن استقرار المنطقة لا يكون بدون حل القضية الفلسطينية التي هي القضية المركزية الممسكة بالمفتاح الذهبي للحل.[3]

وفي 3/12/2025م شدَّد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في البيان الختامي للقمة الخليجية الـ46 "على أن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على أي منها هو اعتداء عليها جميعاً، وفقاً للنظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاق الدفاع المشترك".[4]

قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي: "يؤمن قادة دول المجلس إيماناً تاماً بمبدأ أساسي: أن أمن دول مجلس التعاون واستقرارها هو أساس أمن واستقرار المنطقة بأكملها".[5]

يقول الكاتب رمزي عز الدين في صحيفة "المجلة" السعودية مؤخراً (2026م): "الخلاصة التي لم يعد في مقدور الاستراتيجيين العرب تجاهلها، هي أن 'إسرائيل' وإيران تمثِّلان التحديين الأمنيين الرئيسيين للدول العربية، وأن التعامل معهما يجب أن يتم في وقت واحد. فقد جعلت الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج التهديدَ الإيراني مباشراً وملموساً، فيما جعل استعداد "إسرائيل" الواضح لشن عمليات عسكرية مدمِّرة في المشرق، إلى جانب قدراتها النووية وتمتُّعها بحصانة من أي كبح أمريكي فعلي، التهديدَ الإسرائيلي تهديداً بنيوياً. وعليه فإن الانحياز إلى أحد طرفي الصراع بين 'إسرائيل' وإيران ليس سوى فخ قاتل. أما الموقف المجدي فهو ما يتصدى للتهديدين معاً وفق شروط عربية".

ولتكون خاتمته أن "ما تتطلبه اللحظة الراهنة ليس استكمال مسار طويل نحو استقلالية استراتيجية عربية كاملة، بل الشروع فيه على نحو لا رجعة فيه، عبر قرار سياسي جماعي يتَرسَّخ في أطر عربية شرعية".[6]

وفي صحيفة أخبار الخليج البحرينية (15 مارس 2026م) وبالصفحة الأولى، الإشارة إلى أن "المصير المشترك يفرض تعزيز التعاون العربي وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات الراهنة"، مؤكِّدةً بلسان الملك على مفهوم "الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن حماية الدول العربية من أي تهديدات أو اعتداءات".[7]

وفي إحاطة أمام الأمم المتحدة (2026) أكَّد أمين عام مجلس التعاون أن استقرار منطقة الخليج العربي ليس شأناً إقليمياً فقط بل ضرورة دولية للحفاظ على الاقتصاد العالمي، وأن دول المجلس تمد يدها للسلام لكنها لا تقبل المساس بأمنها أو بسيادتها.

اليوم تبرز فكرة الأمن العربي المشترك أو العربي الإسلامي خجلَى، نعم، ولكنها في وارد التفهُّم أو التطور، مما ترى بذوره نتيجةَ الانفلات المتوحش لآلة الحرب الإسرائيلية الأمريكية التي أغرقت المنطقة كلها فيما هو عبث ودمار وتحطيم مقصود لإرجاع الأمة مئة عام إلى الخلف، تحقيقاً لحلم السيطرة والهيمنة الصهيونية على المنطقة، ونتيجةَ الفشل الأمريكي المريع في تقديم الردع أو الحماية للمنطقة.

في كل ما سبق إدراكٌ خليجي واضح لأهمية التنسيق الأمني بين هذه الدول، وأن النظرة أصبحت موحَّدة بأن أمنها جزء من الأمن الإقليمي الكبير، مع وجود مطالب واضحة بأن تكون هذه الدول طرفاً فاعلاً في أي اتفاقات أو ترتيبات تشمل المنطقة.

اليوم تبرز فكرة الأمن المشترك سواء الجزئي أو الكلي، مما نراه في تحركات السياسيين الخليجيين والعرب عامة، وفي كتابات المثقفين والمفكرين الخليجيين المعتبَرين الذين وعوا عمق الهزيمة في دفتر النزق الأمريكي والعدوان الصهيوني السفيه المتوحش، أصلِ البلاء في المنطقة.

المفهوم الجديد للأمن العربي

أكَّد كلٌّ من مجلس النواب والشيوخ المصري في 28/3/2026م "أن أمن الخليج العربي والأردن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر تُعلن تضامنها الكامل غير المشروط مع أشقائها وتؤكد وقوفها إلى جانبهم في مواجهة هذه الاعتداءات".[8]

في هذا السياق، قال النائب محمد عبده عضو مجلس النواب إن البيان المشترك الصادر عن مجلسي النواب والشيوخ جاء في توقيت بالغ الدقة، ليؤكد أن مصر تمتلك رؤية واضحة وموقفاً حاسماً تجاه ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة، مشيراً إلى أن إدانة الاعتداءات على دول الخليج العربي والأردن تعكس التزاماً مصرياً أصيلاً بالدفاع عن الأمن القومي العربي.[9]

وإلى ذلك "أكَّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن مصر تعتبر أمن دول الخليج العربي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مؤكِّداً أن ما يجمع مصر ودول الخليج العربي من تاريخ ومصير واحد يحتِّمان تعزيز التعاون بصوره كافة، والعمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي".[10]

ونقرأ في صحيفة اليوم السابع المصرية[11] ضمن تقرير رصد ردود الأفعال على زيارة الرئيس المصري للخليج في أتون الحرب التالي: "د.عبد الله العتيبي الأكاديمي بجامعة قطر لـ'اليوم السابع': تعاظم دور مصر كفاعل محوري في الأمن القومي العربي.. تجسيد لوعد الرئيس 'مسافة السكة'". "د. محمد الأحمد الأكاديمي بجامعة الملك سعود: زيارة المصير المشترك.. تعزيز التنسيق السياسي والأمني العربي ودعم استقرار أسواق الطاقة أبرز أهداف الزيارة".

أما المحلل الكويتي عايد المناع فقد قال إن الزيارة تؤكد "دور مصر التاريخي فهي رمَّانة الميزان وقلب العروبة، وهذا تطبيق عملي لعبارة الرئيس السيسي الشهيرة 'مسافة السكة'". وإلى ذلك قال "الأمير محمد بن سلمان أن: مصر قلب العالم العربي.. والسعودية لن تنسى موقفها في الأزمة".

نقول إنه من البديهي أن تكون مصر جامعة العرب هي السبَّاقة في التعامل مع متطلبات التهديدات للأمة العربية، وأن تعتبر ذلك مؤثِّراً على أمنها. وما نشهده اليوم خليجياً وعربياً عبر وسائل الإعلام التقليدية ووسائط التواصل الاجتماعي -بعيداً عن أصحاب التهييج والتحشيد والفتنة والتضليل وكراهية الذات- دعواتٌ للمِّ شمل الأمة، حيث ظهرت مصطلحات مثل "نهاية الاعتماد الكامل على أمريكا"؛ إذ لم يعد الرهانُ على الأمريكي المنحاز للإسرائيلي ولمصلحته رهاناً آمناً، مما يؤشِّر لمفاهيم مثل "الاستقلالية الاستراتيجية" و"التحديات المترابطة"، فنحن أي الخليج "ندفع ثمن حرب لم نقررها"، مما يعني أنه لا أمن لدولة خليجية أو عربية منفردة في بيئة إقليمية متفجِّرة يضع فيها الوحشُ الإسرائيلي كل ثقله، كما الحال مع التهديدات الأخرى.

لربما نلحظ أن تعابير الأمن العربي لم ترد بصراحة ووضوح كما كانت في فترة المد القومي العربي، وإنما بتأكيدات مثل الأمن الإقليمي المشترك أو أمن مجلس التعاون الخليجي، أو ما قد يُفهَم أحياناً أنه هبَّة ضد التهديدات الحالية؛ إلا أن بداية اللغة المشتركة تؤكد الالتزام المشترك بأمن واستقرار المنطقة وتعزيز التعاون المشترك ضمن جهود دفاعية مشتركة.

يمكننا القول مما نراه ونلمسه أن فكرة الأمن العربي المشترك لم تختفِ كلياً بل عادت بشكل آخر وبصيغة أكثر واقعية؛ حيث إن غياب الأمن الجماعي يترك الدول منفردةً في مواجهة النتائج، مما يفترض جدلياً الموقف العربي الموحَّد، لا سيما وأن أزمات الطاقة والإمدادات والملاحة والاقتصاد والتقانة أصبحت واحدة. لنقول نعم أن أمن الخليج العربي من أمننا العربي المشترك، وما ينطبق على كل دولة عربية.

إن ظهور مصطلحات غابت طويلاً من القاموس العربي، مثل "جزء لا يتجزأ" و"مصير مشترك" و"أمن عربي"، تحتاج إلى من يحوِّل مثل هذه المصطلحات من شعار إلى إرادة فعل يحقق وحدة الهدف والمصير.