لأول مرة... حربٌ بلا يافطةٍ فلسطينية

2026-03-28 10:58:45

كل الحروب التي وقعت في الشرق الأوسط، كانت تُغطّى بيافطةٍ فلسطينية، وكذلك الأمر في الانقلابات العسكرية، ولكي لا نظلم الحقيقة، ففي بعضها لم تكن فلسطين مجرد يافطة، بل كانت سبباً، وكي لا نظلم شهداء الأمة الذين ضحّوا بأرواحهم وهم موقنون بأنهم يحاربون من أجل فلسطين، سواءٌ على أرضها أو على تخومها.

الحرب الراهنة التي تُغلق شهرها الأول، وتدخل إلى الثاني، والتي بدأتها إسرائيل وأمريكا، وفُرضت على إيران، وأدخل حزب الله نفسه إليها، غابت عنها اليافطة الفلسطينية، لتبدو أدبياتها ولأول مرة تخصّ المصالح المباشرة للمتوغلين فيها، فحزب الله الذي قطع صلته بحرب غزة وهي في منتصف الطريق، يقاتل الآن دفاعاً عن وجوده ونفوذه، وهذا ما لا ينكره، وإيران التي تنصّلت من عملية طوفان الأقصى منذ انطلاقها، وباركت وقف تدخل حزب الله في حرب غزة، تقاتل في معركةٍ إيرانيةٍ صرفة، دفاعاً عن نظامها الذي كانت تصفيته هدفاً أمريكياً إسرائيلياً مُعلناً، ودفاعاً عن تسلّحها وكذلك عن أذرعتها التي تعتبرها تجسيداً لنفوذها خارج حدود بلادها.

أمّا الطرف المقابل الأمريكي الإسرائيلي، ودون إغفال موقفهما العدائي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو موقفٌ سبق طويلاً هذه الحرب، فقائدها الأعلى الرئيس ترمب، لا يُخفي أجندته منها، حيث النفط والسيطرة عليه هو الهدف، أمّا إسرائيل الشريك التابع، فما تزال تجري وراء أوهامها بالرهان على سيطرةٍ كاملةٍ في الشرق الأوسط، ومن خلال امتطائها صهوة ترمب، تسعى لأن تكون شريكاً في سيطرةٍ على العالم.

هذه الحرب، العارية عن اليافطة الفلسطينية ستتحدد خلاصاتها السياسية، وبالتأكيد لن تكون فلسطين حاضرةً فيها، مثلما لم تكن غالباً كذلك في معظم الحروب السابقة.

الفلسطينيون ومن معهم من العرب، يريدون وقف هذه الحرب عند النقطة التي وصلت إليها، إذ لا يرغبون بخروج خصمهم الأول نتنياهو، رابحاً فيها كونه يعزز عدوانه الدائم عليهم، وهو لا يزال في حربٍ جذريةٍ شاملةٍ ضدهم وضد حقوقهم، كذلك لا يرغبون في رؤية انحسار الاهتمام الدولي عن قضيتهم، إضافةً إلى أنهم يتعاطفون مع أشقائهم الذين يتعرضون لضرباتٍ إيرانية، ما سمح لترمب ونتنياهو بإعادة الحديث عن حماية إسرائيل لهم، وتدفيعهم تكاليف الحرب، وكأنها دفاعاً عنهم وعن أمنهم ومصالحهم.

إن خلوّ هذه الحرب من اليافطة الفلسطينية، يؤكد حقيقتين هامّتين، كانتا غائبتان وراء غيوم الادّعاء والاستثمار، الأولى إن أمريكا وإسرائيل ومهما كانت نتائج الحرب الحالية، سيجدان أنفسهما من جديد أمام القضية الفلسطينية كما هي في الواقع، قضية شعبٍ يعدّ بالملايين يقف على أرض وطنه، ولا يتخلّى عن حقوقه، ويؤكد كل يومٍ تمسكه العنيد بها، والحقيقة الثانية هي أنها القضية الأساسية في الشرق الأوسط التي سيتجه الاهتمام إليها، وهذا ما يخشاه نتنياهو الذي أبدى تخوّفاً من الاصطفاف العربي الإسلامي الجديد حولها، بما ينطوي عليه من قدراتٍ جديّةٍ لدعمها وإقامة دولتها.

حين لا تكون اليافطات المرفوعة على أي حرب صادقةً وجدّية، فإن الإنجاز الأهم هو التخلص منها، وهذا ما ينبغي أن يُعمل عليه بجدّيةٍ مع الأشقاء المخلصين والأصدقاء، لاستعادة الزخم والتخلص من الادعاءات والاستثمارات الخاصة، وما يُدفع في سبيلها من أثمان.

بعد هذه الحرب، سيُختبر الفرز الصحّي والحقيقي للمواقف والسياسات، وأساس الفرز هو فلسطين، وحتمية إيجاد حلٍ يرضى عنه شعبها والعالم الذي اعترف بدولتها، كونها أساس الاستقرار المنشود في أخطر مكانٍ في العالم هو الشرق الأوسط.