حياة لم تُمنح لنا أصلًا..؟!!

2026-03-28 09:53:41

لطالما سألنا أنفسنا، في لحظات الانكسار الكبرى: متى ستعود الحياة إلى طبيعتها؟ لكن، ومع كل ما نعيشه، يبدو أن السؤال الحقيقي أكثر قسوة وصدقًا: هل كانت حياتنا طبيعية أصلًا؟

في الحالة الفلسطينية، لا يبدو هذا السؤال فلسفيًا بقدر ما هو توصيف دقيق للواقع. فنحن لا نمر بأزمة طارئة يمكن احتواؤها، بل نعيش حالة ممتدة من اللّااستقرار، حيث تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويُعاد تعريف الحياة بوصفها مجرد قدرة على البقاء، لا العيش.

قبل الحرب، وقبل هذا الانفجار الهائل في الألم، لم تكن الحياة سهلة أو مستقرة. كنا نعيش تحت قيود مركبة: احتلال يتحكم في الأرض والموارد، اقتصاد هش، وانقسام سياسي يعمّق الجراح. ومع ذلك، كنا نتمسك بوهم “الطبيعي”، نبحث عن إيقاع يومي يمنحنا شعورًا زائفًا بالاستقرار.

ثم جاءت الحرب، لا لتخلق المأساة، بل لتكشفها.

في غزة، لم يعد السؤال كيف نعيش، بل كيف نصمد. هناك، تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى معارك يومية. الماء لم يعد حقًا بديهيًا، بل رحلة شاقة محفوفة بالإذلال. الخبز ليس مجرد غذاء، بل إنجاز يُنتزع بعد ساعات من الانتظار. الكهرباء، إن حضرت، فهي استثناء لا يُبنى عليه.

في شمال غزة، حيث اختلطت الجغرافيا بالركام، لم تعد البيوت بيوتًا، بل طبقات من الذاكرة المنهارة. عمائر سقطت فوق بعضها، شوارع بلا ملامح، وأجساد تتحرك وسط هذا المشهد وكأنها تبحث عن معنى للاستمرار. رجل يبحث عن “غاطس” لبئر ماء كان يومًا سلعة عادية، فإذا به اليوم حلم مكلف. شاب يحمل لوح طاقة شمسية مكسور، كأنه يحمل ما تبقى من الضوء. طفل يجرّ غالون ماء أثقل من عمره، لا ليتعلم، بل ليبقى.

هل هذه حياة؟

في مكان آخر، يقف طفل في طابور الخبز لساعات، ثم يُطرد لأنه “صغير”. تختزل الكرامة في تفصيل عابر، ويصبح الحصول على رغيف الخبز اختبارًا يوميًا للصبر. وفي طوابير المياه، تختلط الأصوات بالصراخ، وتتحول الحاجة إلى صراع، حيث لا مكان للهدوء أو النظام، بل فقط للقدرة على الاحتمال.

أما الليل، فليس مساحة للراحة، بل امتداد للتعب. خيمة بلا خصوصية، أو غرفة بلا باب، وعتمة لا تُطفأ. حتى العلاقات الإنسانية، في أكثر أشكالها حميمية، تتآكل تحت وطأة الإرهاق. يصبح الإنسان عاجزًا عن الحب كما هو عاجز عن الراحة، وكأن الحرب لا تسرق المكان فقط، بل تسحب من الداخل القدرة على الإحساس.

لكن المأساة الفلسطينية لا تختزل في غزة وحدها. في الضفة الغربية، الحياة ليست موتًا مباشرًا، لكنها ليست حياة كاملة. حواجز،مستوطنين، حرق منازل، قتل المواشي، ومستقبل مؤجل. الأرض تتآكل، والمجال يضيق، والإنسان يعيش في مساحة لا يملكها بالكامل. إنها حياة معلّقة، بين الممكن والمسموح.

في القدس، يتحول الوجود إلى وضع قانوني هش، مهدد في أي لحظة. وفي الداخل الفلسطيني، تستمر معركة الهوية داخل واقع يفرض تعريفًا آخر للانتماء. أما في الشتات، فالقصة أكثر تعقيدًا: انتماء بلا أرض، وذاكرة تبحث عن جغرافيا.

نحن أمام شعب يعيش في أربع واقعيات مختلفة، لكن تحت تجربة واحدة: غياب الحياة الطبيعية.وما يزيد المشهد تعقيدًا، أن هذا “اللاطبيعي” لم يعد صادمًا كما كان، بل بدأ يتسلل بهدوء إلى وعينا الجمعي كأمر يمكن احتماله. هنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تتآكل حساسية الألم، ويصبح الاعتياد على القهر شكلًا من أشكال التكيّف. فالفلسطيني الذي ينجح يوميًا في تأمين الماء والخبز، قد يبدو صامدًا في الظاهر، لكنه في العمق يُدفع إلى إعادة تعريف الحد الأدنى من الحياة، بحيث يتحول الحق إلى إنجاز، والكرامة إلى تفصيل مؤجل.

وفي المقابل، يقف العالم متفرجًا، يراقب هذه الحياة المختلّة وكأنها حالة قابلة للإدارة لا للإصلاح. تُنتج المؤسسات الدولية التقارير، وتُعاد صياغة المأساة بلغة الأرقام، بينما يغيب السؤال الأخلاقي الجوهري: كيف يُترك شعب كامل خارج تعريف الحياة الطبيعية، دون مساءلة حقيقية للنظام الذي يفرض عليه ذلك؟ إن اختزال القضية في بعدها الإنساني فقط، دون جذورها السياسية، ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال تكريس الأزمة.

لكن الأخطر من ذلك، أن جزءًا من العالم يعيش في طبقة أخرى تمامًا من الواقع، بعيدًا عن هذه التفاصيل اليومية. هناك من يتابع المشهد كأنه خبر عابر، أو صورة من مكان بعيد لا علاقة له به. يعيشون حياة طبيعية مكتملة في عالم آخر، حيث الماء متوفر، والخبز لا يُنتظر، والليل ليس خوفًا، بل راحة. هذا الانفصال الأخلاقي عن الألم الإنساني يصنع فجوة هائلة بين من يعيش تحت النار ومن يراقبها من خلف الشاشات، وكأن الإنسانية نفسها أصبحت غير موزعة بالتساوي.

بل إن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تتعامل مع هذا الواقع كأنه ملف قابل للإدارة أو رقم في نشرة أخبار، لا كحياة بشر كاملة تنهار أمام العالم. هذا التباعد لا يخلق فقط عدم فهم، بل يعمّق الإحساس بأن الفلسطيني يعيش خارج اهتمام العالم، وخارج عدالته، وخارج حتى تعاطفه الحقيقي.

ورغم كل ذلك، تستمر الحياة. ليس لأنها طبيعية، بل لأن الفلسطيني يرفض أن يتوقف. في الركام، هناك محاولة للبناء. في الطوابير، هناك إصرار على الاستمرار. في الخيمة، هناك فكرة بيت. هذا ليس تكيفًا، بل فعل مقاومة، مقاومة لفكرة أن ما نعيشه يمكن أن يصبح عاديًا.

المشكلة ليست فقط في قسوة الواقع، بل في خطر التعايش معه كأمر طبيعي. حين يصبح الحصول على الماء إنجازًا، والنجاة هدفًا كافيًا، نكون قد اقتربنا من أخطر مراحل الأزمة: تطبيع اللّا طبيعي.

لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس متى تعود الحياة، بل كيف نعيد تعريفها. كيف نعيد لها معناها الإنساني، حيث لا يكون العيش امتيازًا، بل حقًا. حيث لا يُقاس اليوم بعدد ما نجونا، بل بما عشنا.

لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي:
نحن لا نبحث عن عودة إلى الماضي… بل عن فرصة لحياة لم تُمنح لنا أصلًا.