من منشور فردي إلى جدل إقليمي.. هكذا تصنع السوشال ميديا الأزمات؟
في الفضاء الرقمي لم يعد الحدث يُقاس بحجمه الفعلي، بل بسرعة انتشاره وقدرته على إثارة التفاعل، منشور واحد في توقيت معيّن قد يتحول إلى محور نقاش واسع يتجاوز حدوده الأولى، لا لجوهره بالضرورة بل للطريقة التي تعيد بها المنصات الاجتماعية تشكيله وتقديمه للجمهور.
هذا ما شهدناه خلال الساعات الأخيرة في الجدل الذي دار على خلفية منشور على فيسبوك لمراسلة تلفزيون فلسطين مريم الطريفي الذي أثار نقاشًا محتدمًا بين مستخدمي فيسبوك تحديدا من خلفيات مختلفة في مشهد يعكس تعقيدات البيئة الرقمية أكثر مما يعكس حقيقة العلاقات بين الشعوب.
لفهم ما جرى، لا بد من التوقف عند العامل الأكثر تأثيرا؛ الخوارزميات، كلمة السر، الأنظمة المصممة لتعظيم التفاعل، لا تميز الخوارزميات بين محتوى هادئ وآخر جدلي، بل تميل بطبيعتها إلى ترجيح كفة المحتوى الذي يثير ردود فعل سريعة: تعليقات، مشاركات، أو حتى انفعالات غاضبة، وهنا تحديدا تبدأ القصة؛ كلما زاد الجدل، زادت قابلة المحتوى للانتشار، وكلما انتشر أكثر، بدا وكأنه يعكس رأيًا عامًا، حتى وإن كان في حقيقته مجرد موجة عابرة.
هذا النمط من "التضخيم الخوارزمي" يخلق بيئة خصبة لسوء الفهم، فالمستخدم حين يواجه سيلًا من التعليقات المتباينة والحادة، قد يظن أنه أمام حالة انقسام عميق، بينما الواقع غالبًا أكثر هدوءًا وتماسكًا، وفي حالات تتعلق بعلاقات تاريخية وثقافية متينة – كما هو الحال بين الشعب الفلسطيني والأردن الشقيق وباقي الشعوب العربية- فإن هذا التضخيم قد ينتج صورة مشوشة لا تعكس عمق الروابط القائمة.
الإشكالية لا تكمن في وجود اختلاف في الآراء، فهذا أمر طبيعي وصحي، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف رقميًا، حين تُختزل النقاشات في تعليقات سريعة، وتُفقَد السياقات، وتُقتطع العبارات من محيطها، يصبح من السهل الانزلاق نحو التعميم أو سوء التأويل، ومع غياب التدقيق تتحول بعض التفاعلات إلى ما يشبه "دوائر مغلقة" تعيد إنتاج نفس النبرة ما يعمّق الإحساس بالتوتر.
في المقابل، لا يمكن إغفال دور المستخدمين وصنّاع المحتوى في كسر هذه الحلقة، فالمحتوى المسؤول الذي يضع الأمور في سياقها ويتجنب اللغة الإقصائية أو التعميم، يملك هو الآخر فرصة للانتشار – ولو بوتيرة أبطأ- كما أن الإعلام المهني حين يتناول مثل هذه القضايا بعمق وتحليل يسهم في إعادة التوازن للنقاش ويمنح الجمهور أدوات أفضل للفهم.
من جهة أخرى؛ تبقى المنصات نفسها مطالبة بتطوير أدوات أكثر حساسية للسياقات الثقافية واللغوية، خاصة في البيئات التي تتداخل فيها القضايا الاجتماعية مع البعد السياسي أو الهويّاتي، فالاستثمار في تقنيات تقلل من تضخيم المحتوى الإشكالي، وتعزز في المقابل المحتوى التفسيري والحواري، لم يعد ترفًا بل ضرورة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري على المنصات الاجتماعية بمعزل عن آلياته ولا عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة، فهذه المنصات - على اتساعها - ليست سوى مرآة مضخِّمة لما يدور، قادرة إما على تعميق الفجوات أو ردمها.
ومن هنا، تصبح المسؤولية جماعية في تحويل هذا الفضاء من ساحة انفعال عابر إلى مساحة وعي وتماسك.
إن التحديات التي تواجه شعوب المنطقة اليوم لا تفرّق بين أحد، والخطر حين يقترب لا يسأل عن هوية ولا يميّز بين صوت وآخر، وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان على من يعلو صوته، بل على من يملك اتزان الكلمة ورحابة الصدر، والمطلوب تحجيم الانزلاق نحو خطاب يسيء للعلاقات الراسخة، وعدم منح الأصوات الفردية المتطرفة حجماً يفوق حقيقتها.
الرهان الحقيقي اليوم هو على وعي رقمي ناضج، يُحسن استخدام هذه المنصات كأدوات للتقارب لا للتباعد، ولتعزيز المشترك لا تقويضه، فبين سرعة النشر وضجيج التفاعل، يبقى الصوت الأكثر قيمة هو ذاك الذي يحافظ على عمق العلاقة، ويُدرك أن ما يجمع الشعوب العربية أكبر بكثير من أن تُضعفه موجة عابرة في فضاء افتراضي.