هل يعلن ترامب الانتصار على إيران كما أعلن السلام في غزة؟ هل يعاد رسم الشرق الأوسط بالقوة؟
لا يشهد الشرق الأوسط اليوم مجرد تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران بدعم أمريكي، بل يعيش لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح الإقليم لعقود قادمة. ما يجري يتجاوز كثيرًا عنوان “البرنامج النووي الإيراني” الذي يُقدَّم باعتباره جوهر الأزمة. في العمق، نحن أمام صراع على من يمتلك القدرة على تشكيل النظام الإقليمي الجديد، وتحديد قواعد الأمن والسياسة التي ستنظم توازنات الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.
فالضربات الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة ضد إيران عام 2026 ليست حدثًا عسكريًا عابرًا، بل مؤشر على انتقال الصراع من مرحلة حروب الوكلاء إلى المواجهة المباشرة، ومن إدارة الصراع إلى محاولة إعادة تشكيله. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد فاعل إقليمي يتحرك داخل توازنات قائمة، بل أصبحت جزءًا من تحالف عسكري–استراتيجي تقوده الولايات المتحدة لإعادة هندسة النظام الإقليمي.
فهم هذا التحول يقتضي النظر إلى الداخل الأمريكي أيضًا. ففشل مشروع قرار مجلس الشيوخ لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب في استخدام القوة العسكرية ضد إيران يعكس استمرار منح المؤسسة السياسية الأميركية الرئيس هامشًا واسعًا للتحرك العسكري في الشرق الأوسط، رغم الجدل الداخلي المتصاعد بشأن كلفة الحروب. هنا تبرز مفارقة تيار “أمريكا أولاً” (MAGA). فهذا التيار يرفع شعار تقليل الحروب الخارجية وحماية الاقتصاد الأميركي من أعباء النزاعات الطويلة، لكنه في الوقت نفسه يدعم سياسات ردع قوية في الشرق الأوسط، خصوصًا تجاه إيران، تحت عنوان حماية الحلفاء وتعزيز الأمن القومي. هذا التناقض يعكس صراعًا داخل التيار المحافظ بين نزعة انعزالية ترفض الحروب المكلفة، ونزعة أمنية ترى في القوة العسكرية أداة لحماية المصالح الأميركية ولو خارج الحدود.
في هذا السياق، يتغير مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”. لم يعد مشروعًا اقتصاديًا أو دبلوماسيًا كما طُرح سابقًا، بل أصبح مشروعًا أمنيًا بامتياز. إعادة ترتيب الحدود لم تعد جغرافية فقط، بل سياسية ووظيفية، تقوم على إعادة توزيع النفوذ وخلق نظم أمنية تقودها إسرائيل بدعم أمريكي. الطموح الإسرائيلي يتجاوز التطبيع نحو إخضاع البيئة الإقليمية استراتيجيًا، بحيث يصبح أي طرف رافض لهذا النظام خارج معادلة الشرعية الإقليمية.
هذا التحول يرتبط بتطور المشروع الصهيوني ذاته. فمن مشروع استيطاني كولونيالي في “يهودا والسامرة”، إلى مشروع نفوذ جيوسياسي عابر للحدود. فكرة “إسرائيل الكبرى” لم تعد تعني ضمًا جغرافيًا مباشرًا فقط، بل هيمنة أمنية واقتصادية تجعل إسرائيل مركز القرار الإقليمي دون الحاجة إلى تغيير الخرائط رسميًا. السيطرة هنا وظيفية: تفوق عسكري دائم، تحكم بالمسارات الأمنية، واندماج إقليمي مشروط بقبول هذا التفوق. ضمن هذه المعادلة، تبرز عقيدة “الحرب الدائمة”. فالتوتر المستمر يبرر عسكرة المجتمع الاسرائيلي، والتوسع الاستيطاني، وتعطيل أي حل سياسي للقضية الفلسطينية. السلام الحقيقي قد ينهي مبررات التفوق العسكري، أما استمرار التهديد فيعيد إنتاج شرعية القوة. وهنا تلتقي المصالح: إسرائيل تحتاج بيئة إقليمية مضطربة لتبرير تفوقها، وبعض دوائر القرار في واشنطن ترى في ذلك وسيلة لتعزيز الردع دون الانجرار إلى احتلالات طويلة كما حدث في العراق وأفغانستان.
القضية الفلسطينية ليست تفصيلًا هامشيًا في عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بل تمثل العقبة المركزية أمام تثبيت النظام الإقليمي الجديد. لذلك يجري تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وإضعاف المؤسسات، وتحويل الصراع من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني–إغاثي، في محاولة لنزع بعدها السياسي والقانوني وتحويلها إلى مجرد مسألة إدارة سكان لا مسألة حق وسيادة. ما نشهده اليوم ليس حربًا على إيران فحسب، بل لحظة إعادة صياغة شاملة للإقليم تتقاطع فيها استراتيجية التفوق الإسرائيلي مع جدل “أمريكا أولاً” داخل واشنطن. الشرق الأوسط يُعاد رسمه بالقوة، وتُستدعى فيه السرديات الدينية لتبرير سياسات الهيمنة وتكريس تفوق إسرائيل طويل المدى.الشرق الأوسط يُعاد رسمه بالقوة والثيولوجيا التي توظف السياسة لتحقيق اهداف اسرائيل الكبرى.
قد يخرج ترامب ويعلن النصر باي لحظة تماما كما اعلن السلام في غزة بغض النظر عن الواقع لكن السؤال الحقيقي لم يعد من سيعلن النصر، بل أي شرق أوسط سيخرج من هذه اللحظة التاريخية: شرق أوسط تحكمه معادلة القوة والردع الدائم، أم نظام إقليمي جديد يعيد الاعتبار للدبلوماسية والقانون الدولي ومبادئ العدالة؟ فطريقة انتهاء هذه المرحلة لن تحدد فقط موازين القوى، بل ستحدد شكل السلام – أو استمرار الصراع – في الشرق الأوسط