خاص | من موقدٍ بديل إلى حديقةٍ صغيرة… نصير يحوّل البتر إلى حياة في خيمة النزوح
أروى عاشور- غزة - راية:
في طرف خيمةٍ مهترئة على أرضٍ مثقلةٍ بالغبار، يجلس محمد أحمد علي نصير (43 عامًا)، أبٌ لخمسة أطفال، يراقب لهبًا صغيرًا يتراقص فوق موقدٍ صنعه بيديه. لم تكن النار مجرّد وسيلةٍ لطهي الطعام، بل كانت إعلانًا صامتًا عن انتصار إرادةٍ على العجز، وحياةٍ تُنتزع من قلب الحرب.
محمد فقد ساقه خلال الحرب، وبفقدانها تغيّر كل شيء. لم يعد قادرًا على الخروج لجلب الحطب، ولا الوقوف في طوابير الغاز، ولا حتى التنقل بسهولة داخل المخيم. يقول بصوتٍ هادئ يخفي وراءه تعب السنوات: “بترت رجلي في الحرب… ولا بقدر أطلع ولا أنزل. كنت أشوف ولادي حواليّ، وما في غاز ولا حطب، والنار صارت حلم.”
في لحظة ضيقٍ شديدة، جلس مع زوجته داخل الخيمة، يتأملان احتياجات أطفالهما. يروي محمد نصير لـ"رايـة": “قلت لمرتي: ما بصير نقعد هيك. في عندنا شوية مواد بالبيت… يمكن نقدر نحولها لموقد. يمكن ربنا ييسرها.”

لم يكن متأكدًا من نجاح الفكرة، لكنها كانت المحاولة الوحيدة المتاحة. استخدم مواد بسيطة، بعضها كان مخصصًا لأغراضٍ علاجية في السابق، وحوّلها إلى موقد يعمل على “السيرج”، ليكون بديلًا اضطراريًا عن الغاز المفقود.
ومنذ أكثر من عام، لم تنطفئ فكرته. يقول: “اشتغلت عليها تجريب، سنة كاملة وأنا أجرب وأعدل… والحمد لله نجحت. صحيح إنها مضرة، والدخان بيتعب، بس شو البديل؟ لا عنا غاز ولا حطب. على الأقل بنطبخ ونغلي القهوة، والنار بتضل مشتعلة ساعات طويلة.”
الدخان يتصاعد في فضاء الخيمة الضيق، يختلط برائحة الطعام البسيط، لكنه بالنسبة لمحمد رائحة قدرةٍ على الاستمرار. “مش بنقول إنها أحسن إشي… بس بتسهل علينا أمور كتير. لحد ما الله يفرجها ويرجع الغاز زي زمان.” هكذا يقول.
لم يكتفِ محمد بإشعال النار، بل قرر أن يزرع الحياة نفسها. مع اشتداد الغلاء والمجاعة، شعر أن عليه أن يفعل أكثر من انتظار المساعدات. يقول: “لما شفت الغلا والمجاعة، قلت: ما بنفع الكلام هذا. إحنا حوالينا أرض… ليش ما نزرع؟”
لم تكن لديه بذور جاهزة ولا أدوات زراعية متكاملة. بدأ بحبة بندورة واحدة. “جبنا حبة بندورة، عصرناها وطلعنا البذور. زرعناها، ونجحت. بعدها جبنا فلفل وباذنجان، وبلشنا نوسع.”
وبيديه أزال الحجارة من الأرض الصغيرة المحيطة بالخيمة، وحرثها بما تيسر، ثم غرس الشتلات الأولى.
يضيف نصير : "شيئًا فشيئًا، تحولت البقعة الترابية إلى مساحةٍ خضراء نابضة بالحياة: بصل، ثوم، جرجير، فجل، لفت، سبانخ". مضيفا بفخرٍ واضح: “زرعنا بالصيف ونجحت معنا، وزرعنا بالشتا، وهلأ بنجهز لرمضان. بنحب تكون خضرتنا من أرضنا.”
لا يخفي نصير الصعوبات فالماء شحيح، والبذور والأسمدة غير متوفرة بسهولة. “أصعب إشي المي والبذور والسماد… بس الحمد لله مستمرين. كل صباح بناكل من اللي زرعناه، وإذا حدا احتاج بنعطيه.”

في المخيم، صار الناس يتوقفون أمام خيمته بدهشة. الخضرة وسط الرماد تبدو كأنها مشهدٌ من زمنٍ آخر. يبتسم محمد وهو يصف ذلك: “الناس تقول كأنه في عندهم إشي جديد وغريب. بس هي أرض… إذا حبّيتها بتعطيك.”
رغم أنه نازح ويعيش في خيمة، إلا أنه يرفض أن يكون منقطعًا عن الأرض. يقول بإيمانٍ راسخ: “وين ما نروح لازم نزرع. الفلسطيني إذا انزرع في أرض، بيعمرها. والله لو سلمونا غزة كلها، بنزرعها وبنبنيها.”
أما عن إصابته، فلا يراها نهاية الطريق. يوجه رسالة واضحة لكل من أُصيب في الحرب: “الإعاقة مش بالجسد… الإعاقة بالعقل. اللي انصاب ما يقعدش على الكرسي. إحنا قادرين نعمل ونبني.”
ويضيف بعزمٍ لا يخبو: “أنا هرجع لمنجرتي كمان. هوقف وهقص وهشتغل. مش هقعد ولا هستسلم.”