نقطة ضوء.. دولة بلا أرض؟ إذن نحن نُدير وهماً
الأرض في المشروع الوطني الفلسطيني ليست مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل هي أساس الهوية وشرط الوجود ومعيار السيادة. عليها تقوم الذاكرة، ومنها تنبثق الشرعية، وبها يُقاس صدق أي برنامج سياسي ووطني . وحين تُستهدف بالمصادرة والعزل والتفكيك، فإن المشروع الوطني برمّته يصبح مهدَّداً في جوهره. لذلك فإن حمايتها لا تكون بالشعارات ، بل بالفعل المنظم الذي يحوّل التمسك بها إلى سياسات ومخططات وإجراءات ووقائع يومية.
وتبرز هنا الحاجة لتشكيل وزارة سيادية تحت عنوان «الأرض»، تكون مهمتها الحصرية وضع كل ذرة من تراب فلسطين تحت الإشراف المباشر، والمتابعة الدائمة، والتخطيط الاستراتيجي، والحماية القانونية والمجتمعية. وزارة لا تنشغل بتفاصيل إدارية هامشية، بل تتركز وظيفتها في إدارة ملف الأرض بوصفه جوهر السيادة وأساس المشروع الوطني. تبادر إلى التخطيط العمراني والزراعي والسكاني ، وتنسّق بين المؤسسات، وتحوّل كل قرار يتعلق بالأرض إلى قرار وطني محسوب الأثر. وزارة تجعل من حماية الجغرافيا و سياسة يومية ممنهجة، ولا تتعامل مع الأرض كملف تفاوضي مؤجل، بل كأولوية سيادية قائمة تستوجب الفعل المستمر والدفاع المنظم. ومن مهامها الأساسية :
▪️المهمة الأولى: تكثيف الحضور السكاني والاقتصادي في المناطق المهددة، من خلال دعم مباشر للبناء والاستثمار والحياة الكريمة، وتوفير بنية تحتية أساسية، وتحفيز المشاريع الإنتاجية المرتبطة بالأرض، بما يحوّل مناطق الخطر إلى مساحات جذب واستقرار، ويجعل البقاء خياراً اقتصادياً عقلانياً لا عبئاً فردياً.
▪️المهمة الثانية: ترسيخ السيادة على الموارد عبر حصر شامل للأراضي وأصنافها وملكياتها، والمياه ومنابعها، وحماية الغطاء النباتي، واستثمار الموارد الطبيعية ودعمها ضمن أطر وطنية شفافة. فالمورد هو أساس الثبات، والسيادة تبدأ من القدرة على إدارة عناصر الحياة.
▪️المهمة الثالثة: ربط الجغرافيا ومنع تفتيتها، بشق طرق زراعية استراتيجية، وتعزيز التواصل بين القرى والتجمعات، وإقامة مشاريع مشتركة تعيد تشكيل المجال الحيوي الفلسطيني كوحدة متماسكة.
▪️المهمة الرابعة: إعادة توجيه جزء وازن من الجهاز الوظيفي العام ليكون حاضراً في المناطق المهددة حضوراً فعلياً لا رمزياً، عبر نقل موظفين من مختلف الوزارات والمؤسسات للعمل الميداني فيها وفق نظام مرن يربط الوظيفة بالخدمة المجتمعية. فالموظف العام يجب أن يكون جزءاً من معركة تثبيت الوجود، يسهم في التخطيط والمتابعة والتنفيذ، ويشكّل جسراً دائماً بين الدولة والمجتمع المحلي، بحيث تتحول هذه المناطق إلى أولوية إدارية يومية لا ملف طوارئ موسمي.
وفي السياق ذاته، يُصار إلى تأسيس جمعيات ولجان متخصصة، مدعومة مالياً ومؤسسياً، تُعنى بزراعة الأراضي واستصلاحها، وتنظيم العمل التعاوني بين المزارعين، وتقديم الإسناد القانوني والمجتمعي للسكان. وتعمل على إطلاق برامج جماهيرية سلمية مستدامة تشمل حملات تشجير، وأيام عمل تطوعي، وورش توعية، وأنشطة إعلامية توثق الانتهاكات وتعزز التمسك بالأرض. وبهذا يتكامل الدور الرسمي مع المبادرة الشعبية في صيغة مقاومة مدنية منظمة تجعل من حماية الأرض مسؤولية دولة ومجتمع في آن واحد.
ويستند المشروع إلى تمويل وطني مستدام قائم على مخصصات حكومية، وشراكات مع القطاع الخاص، ومساهمات من أبناء الشعب في الداخل والشتات، ضمن منظومة رقابة شفافة تضمن النزاهة والفعالية، وبما يجعل دعم الوجود الفلسطيني في المناطق المهددة بالمصادرة، ولا سيما (C) و(B)، دعماً مباشراً ومتاحاً.
بهذا المعنى، لا يكون التعمير نشاطاً خدمياً عادياً، بل ممارسة سيادية يومية. إنه انتقال من إدارة أزمة تحت الاحتلال إلى بناء عناصر دولة تحت الاحتلال؛ حيث يصبح كل بيت يُبنى، وكل شجرة تُزرع، وكل طريق تُعبد، خطوة عملية في تثبيت الحق وصناعة المستقبل.
هذه هي خطوات دعم الوجود الفلسطيني على أرضه؛ وما عدا ذلك يبقى كلاماً "لا يسمن ولا يغني من جوع" . ومن يريد الدفاع عن أرضه وبيته يجب أن يدرك أن ذلك لن يتحقق من دون خطط وبرامج حقيقية. فالتجارب التاريخية تؤكد أن المشاريع السياسية التي نجحت في تثبيت نفسها، فعلت ذلك عبر مؤسسات منظمة وضعت السيطرة على الأرض في صلب أولوياتها.