ليلى شهيد

2026-02-23 18:39:48

كان يمكننا أن ننعى رحيلها كما ننعى صديقًا مقرّبًا، وأن نتألم كما نتألم حين يبتر الموت جزءًا من حياةٍ مشتركة: صداقة، أخوّة، عائلة. وكان يمكن لها أيضًا — وربما كان ذلك أسهل عليها — أن تمضي حياتها في راحةٍ محميّة، بمنأى عن محنة الأصل وقسوة المصير. فقد كانت ابنة بيتٍ كريمٍ ميسور، ووريثة رفاهٍ يتيح لها الاتكاء على إرث حياة آمنة، وتمديد الإقامة في ظل عائلةٍ لا ينقصها وجاهة ولا حماية.

لكنها لم تكن “امرأة عادية”.

كانت ليلى.

برحيلها اليوم يضاف جرحٌ عميق إلى الحزن. لأن الفقد ليس فقد صديقة فحسب، بل فقد مسارٍ قاوم الفكرة السهلة: أن يستطيع الإنسان أن ينجو بنفسه ويترك وطنه لمصيره.

قصتنا معها بدأت من الرضاعة… نعم، من هذا الباب الذي لا يدرجه التاريخ عادةً في سير العظماء، مع أنه أصل الحكاية. أمها سيرين أرضعت أختي حياة مع ليلى، وأمي سلمى أرضعت ليلى مع حياة. في بيتنا كانت ليلى ابنة كامل وسلمى، وفي بيتهم كنّا أبناء منيب وسيرين. هكذا كنا، مقطوعين عن العالم: بلا حدود بين البيوت، ولا مسافات بين الدماء.

منذ ذلك الوقت، كانت ليلى كتلة نار من الحركة والفضول والاكتشاف. سيلًا من الأسئلة، وإعصارًا من النشاط؛ كأنها وُلدت لتكسر السكون، وتستفز الكسل، وتحرك الصخر.

وما إن تزوّدت بالعلم بعد تخرجها من الجامعة الأميركية في بيروت، حتى انطلقت — لا كمن “يزور” المخيمات — بل كمن يعود إلى بيته. ذهبت إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كما لو كانت تعود إلى أبنائها. تركت راحة حياتها إلى قلب المأساة، لا لتكتب عنها من بعيد، بل لتتعلّمها مباشرة، وتعمل فيها، وتستحق حق الكلام عنها لأنها حملت ثقلها.

ثم غاصت في الصحافة، حيث وُلدت مجلة Monday Morning مع فواز ناجية، الصحافي والمحرر الموهوب. هناك، في ميدان يتطلب العقلانية لا الخطابة السهلة، بدأت تتشكل موهبتها الدبلوماسية: مقالات، مقابلات، أبحاث، كُتبت بجديةٍ وانضباطٍ وإتقان، لم تكن ترفًا ثقافيًا، بل عدّة نضال. نقلت وسائل الإعلام الرئيسية خطابها، لأنه لم يكن “زحف قضية”، بل خطاب معرفة ومسؤولية.

ثم جاء المسار الدبلوماسي: تعيينها ممثلةً لـ منظمة التحرير الفلسطينية، باختيار من ياسر عرفات. خدمت ليلى وطنها لأنها آمنت — بحدس سياسي مبكر — أن الوطن ملكٌ لجميع مواطنيه، وأن القائد “مكلّف بمهمة” لا “متوّج على عرش”. حتى مع أبو عمار، رأته مسؤولًا عن تكليف، لا صاحب عرش أبدي. لم يكن ذلك قسوةً عليه، بل وفاءً للقضية: فالقضايا التي تتحول إلى عبادة أشخاص تُضحّى على مذبح الأشخاص.

في تلك المرحلة، كانت أوروبا — نعم أوروبا — أكثر قسوة على القضية الفلسطينية من أميركا أحيانًا. كانت القارة مثقلة بإرهاب ارتُكب باسم المقاومة: من خطف الطائرات إلى مأساة ميونيخ. وكانت التمثيلات الفلسطينية محاصَرة بسياق الحرب الباردة واصطفافاتها، التي جعلت الغرب ينظر إلى الفلسطيني لا كصاحب حق، بل كخطر محتمل. وزاد الأمر موجة الاغتيالات الإسرائيلية التي طالت ممثلين فلسطينيين، وأفرغت مشاهد كاملة من رجال ووجوه ووسطاء.

في ذلك الوقت، كانت ليلى — في جوانب كثيرة — وحدها.

كانت الناطقة السياسية، والإعلام، ومركز الأبحاث، والحضور الثقافي، والمحاضِرة في الجامعات، وصوت الفكر في مراكز القرار… كانت “وجه فلسطين” ذاته، بقدرة احتمال لا تُطلب عادة من إنسان.

ونجحت ليلى شهيد. بل انتصرت — بالطريقة التي يسمح بها القانون أن ينتصر في العواصم السياسية: بالحجة، بالعقل، وببلاغة فكرية ولغوية لا تنزلق إلى الديماغوجيا ولا الشعبوية. كانت تناقش بضراوة فكرية، بخشونة نسرٍ يحمي فراخه… فلسطينييها. واجهت خصومها في فرنسا، في الإعلام والفضاء العام، لا بالسباب، بل بتحويل القضية إلى رواية مفهومة… ثم مقبولة… ثم أقل فأقل خضوعًا للشروط. حرّكت الجدار حجرًا حجرًا، دافعةً أوروبا من رفضٍ غريزي إلى قبولٍ مشروط، ثم إلى تفكيك الشروط ذاتها.

ومن هنا استحقت وسام جوقة الشرف الفرنسية برتبة ضابط — لا كـ“زينة” على صدرها، بل كعلامة على أنها انتزعت اعترافًا بكرامة خطابها في قلب صراع سرديات قاسٍ.

نعم، من الطبيعي أن نحزن على رحيل ليلى شهيد، لأننا فقدنا صديقة. لكن حزننا اليوم أثقل من غياب صديقة. فنحن نعيش زمن “النكبة الجديدة”، زمن تحتاج فيه فلسطين إلى قيادة متحضرة، نظيفة اليدين، واضحة العقل، تشبه شعبها من دون أن تتاجر به.

كانت ليلى شهيد — لو أن الأقدار أنصفت — الأقرب إلى أن تكون “رئيسة فلسطين” بالمعنى الأخلاقي لا البروتوكولي: ثقافة، خبرة، والتزام بالمواطن الفلسطيني المقتول والمطرود والمشتت في أصقاع الأرض. كانت قد أخذت فلسطين من فوضى الصفقات ورائحة الفساد إلى وطنيةٍ مشرّفة تُحرج حتى الكارهين.

لهذا نحزن: لأننا ودّعنا امرأة كانت نورًا في زمنٍ معتم، ولأننا — مرةً أخرى — حُرمنا من نموذج قيادة لا تطلب التصفيق بل تنجز العمل.

ليس عادلًا أن تخسر فلسطين شخصيات مثل ليلى… وليس عادلًا أن يبقى هذا الزمن يتيمًا من أمثالها.