خاص| تصعيد إسرائيلي بمنهجين في الضفة: ردع بالقوة المفرطة وعمليات واسعة داخل المدن
قال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين شهدت تحولاً نوعياً خلال السنوات الأخيرة، وانتقلت من إطار "إدارة الصراع" واحتواء المواجهة إلى مقاربة وجودية تسعى إلى فرض وقائع ميدانية تنسف إمكانية قيام دولة فلسطينية، عبر مسارين متوازيين: الردع بالقوة المفرطة، وتوسيع العمليات العسكرية داخل المدن.
وأوضح القيق في حديثه لـ"رايـــة" أن إسرائيل وضعت مبدأين أساسيين في تعاملها مع الفلسطينيين؛ الأول يقوم على "الردع" باستخدام القوة المفرطة، كما جرى في غزة، وما يترافق مع ذلك من عمليات هدم واسعة في مناطق (ج)، وصولاً إلى مناطق (ب)، ومنع البناء، وتوسيع الجدار الفاصل، وعمليات الطرد والتضييق الممنهج.
وأضاف أن هذا المسار لا يقتصر على مناطق محددة، بل يطال مجمل الجغرافيا الفلسطينية، في إطار استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي في الضفة الغربية.
وبيّن القيق أن المسار الثاني يتمثل في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق داخل المدن الفلسطينية، بما ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، ويطال الشرائح السكانية في مناطق (أ)، بعد أن كان الضغط يتركز في مناطق (ب) و(ج).
وقال إن الهدف من هذه العمليات هو إيصال رسالة مفادها أن "اليوم التالي في الضفة الغربية ليس فلسطينياً"، في إشارة إلى توجهات إسرائيلية تتقاطع مع شعارات رُفعت أخيراً كتب عليها "لا مكان لدولة فلسطينية"، ومع قرارات صادرة عن الكنيست تتعلق برفض إقامة دولة فلسطينية.
وأكد أن ما يجري من ممارسات يومية للمستوطنين، إلى جانب القرارات الرسمية، ينسف عملياً حل الدولتين، بل ويقوض أي إمكانية لسيادة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس والداخل.
منذ 2021: تضييق اقتصادي وحواجز وعزل للقدس
وفي حديثه عن احتمالات اتساع رقعة التوتر، خاصة في القدس والمسجد الأقصى، رأى القيق أن إسرائيل "تبالغ" في الحديث عن اشتعال محتمل، مشيراً إلى أن الإجراءات التصعيدية بدأت فعلياً منذ عام 2021.
وأوضح أن إسرائيل مضت خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية في مسارات متعددة، شملت قطع الرواتب، والتضييق الاقتصادي، ووضع الحواجز العسكرية على مداخل المدن، لا سيما قبل عام 2023 على خلفية أحداث نابلس وجنين، قبل أن تتوسع تلك الإجراءات بشكل أكبر بعد ذلك التاريخ.
وأضاف أن الحواجز عطلت الحياة الاقتصادية اليومية، وقطعت التواصل الجغرافي بين المدن، كما تم عزل القدس بالكامل عن الضفة الغربية، إلى جانب عرقلة حركة المواطنين عبر المعابر والجسور.
وأشار القيق إلى أن الأخطر يتمثل في عرقلة التقدم الزراعي والعمراني في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، سواء عبر قرارات مباشرة أو من خلال ممارسات المستوطنين اليومية.
وربط هذا المشهد بما عُرف بـ"صفقة القرن"، معتبراً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تسير في اتجاه تكريس الضفة الغربية تحت مسمى "يهودا والسامرة" ضمن إطار دولة المستوطنين، وهي سياسة قديمة يجري ترسيخها بشكل أوضح في عهد بنيامين نتنياهو.
وقال إن نتنياهو يسعى إلى ترسيخ هذه الوقائع لتجنب دفع ثمن سياسي، مع استمرار وتيرة الاستيطان والهدم والقتل، بالتوازي مع تعميق الانقسام الفلسطيني، ما يؤدي إلى إضعاف الموقف الفلسطيني الرسمي.