وفاء عاروري: لا نملك رفاهية الاستسلام والسرد الفلسطيني معركة وجود
الإعلامية الفلسطينية وصاحبة القلم الحر تتحدث عن طفولتها في عارّورة، مسؤولية الأمومة، تحديات المهنة، ومعركتها في الدفاع عن السردية الفلسطينية
رام الله – بودكاست "ضيف الرايـــة"
في حلقة مميزة من بودكاست “ضيف الرايـــة” برعاية شركة جوال، فتحت الإعلامية الفلسطينية وصانعة المحتوى وفاء عاروري قلبها في حوار جمع بين المهني والشخصي، مستعرضة محطات من طفولتها في بلدة عارّورة، وتجربتها في الصحافة الاستقصائية، وصولاً إلى إطلاق منصة “خراريف فلسطين” كسلاح ناعم في معركة السردية.
عارّورة… البداية الأولى
استعادت عاروري ذكرياتها الأولى في بلدتها عارّورة، التي وصفتها بـ”نقطة الانطلاق نحو فلسطين كلها”، مؤكدة أن حبها لبلدتها لا ينفصل عن حبها للناصرة وعكا وحيفا والقدس وغزة.
وتحدثت عن تأثير الطفولة المبكرة في تشكيل شخصيتها، مشيرة إلى أنها حملت المسؤولية منذ الصغر كونها الابنة الكبرى في عائلة تضم تسعة أبناء، وهو ما عزز لديها حس القيادة والاعتماد على الذات.
“تكّون الإنسان يبدأ من الطفولة”، تقول عاروري، مستذكرة يومها الأول في المدرسة، ومشاركاتها في الإذاعة المدرسية والكشافة، حيث قادت فرقاً طلابية وأسهمت في نشاطات مجتمعية رسخت ارتباطها بالعمل العام.
الصحافة… قرار مبكر رغم المخاطر
اختارت عاروري دراسة الصحافة والإعلام رغم تفوقها الأكاديمي، مؤكدة أن القرار كان مبكراً وحاسماً، خاصة بعد تأثرها بتغطيات الحروب على غزة، حيث رأت في الصحفيين صوتاً للحقيقة.
ورغم إدراكها لمخاطر المهنة، إلا أنها اعتبرت أن العمل الصحفي في فلسطين ليس خياراً عادياً، بل التزام أخلاقي ووطني.
وأضافت أن اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة شكّل نقطة تحوّل عاطفية ومهنية لدى الصحفيين الفلسطينيين، مؤكدة أن “ما بعد شيرين ليس كما قبلها”.
الصحافة الاستقصائية… مواجهة الحقيقة
برز اسم وفاء عاروري في مجال الصحافة الاستقصائية، حيث أنجزت تحقيقات محلية ودولية، حصدت من خلالها جوائز مهنية، بينها جائزة مكّنتها من زيارة مؤسسات إعلامية في ألمانيا، وأخرى بالتعاون مع شبكة “أريج”.
تقول إن الصحافة الاستقصائية علمتها اختبار حدودها المهنية والشخصية، مشيرة إلى أنها خاضت تجارب صعبة في ملاحقة المسؤولين والحصول على المعلومات، حتى وإن لم تحصل أحياناً على الرد، “فالصمت أحياناً جواب بحد ذاته”.
ورغم تعلقها بهذا المجال، إلا أنها تعترف بأن الضغط المتراكم والأوضاع السياسية والاقتصادية دفعتها للبحث عن مساحة مختلفة للتعبير.
“خراريف فلسطين”… السرد كسلاح
من هنا ولدت فكرة “خراريف فلسطين”، وهي مساحة سردية توثق التفاصيل اليومية للفلسطينيين بلغة بسيطة قريبة من الناس.
توضح عاروري أن الفكرة لم تكن مخططاً مسبقاً، بل جاءت من تفاعل الجمهور مع كتاباتها اليومية التي تصفها بـ”الخراريف”، لكنها في الحقيقة توثيق حي لتجارب فردية تتقاطع مع هموم جماعية.
وترى أن السرد البسيط أصبح ضرورة في ظل ما تصفه بـ”الحرب على السردية الفلسطينية”، مؤكدة أن توثيق القصص اليومية هو دفاع عن الذاكرة الوطنية.
وتستشهد بمقولة الأديب الفلسطيني سلمان ناطور: “ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة”، لتؤكد أن صناعة التاريخ تبدأ من الحكاية.
الأمومة… قوة إضافية لا عبء
بعفوية وصراحة، تحدثت عاروري عن كونها أماً لابنتها جولان، ووصفتها بأنها مصدر القوة الأهم في حياتها.
“لا نملك رفاهية الاستسلام”، تقول، مؤكدة أن الأمومة منحتها دافعاً إضافياً للنجاح، ليس فقط من أجل ذاتها، بل لتكون قدوة لابنتها.
وتؤمن عاروري بأن الأطفال يحتاجون إلى أمهات قويات وسعيدات، وأن التحديات الشخصية لا يجب أن تتحول إلى قيود، بل إلى محفزات للاستمرار.
جبر الخواطر… قيمة إنسانية مفقودة
تطرقت عاروري إلى مفهوم “جبر الخواطر”، معتبرة أنه فعل إنساني بسيط لكنه عميق الأثر، خصوصاً في مجتمع مثقل بالحروب والضغوط.
وأشادت بدور المرأة الفلسطينية، التي وصفتها بأنها “تدفع أثماناً مضاعفة في الحروب”، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، مؤكدة أن النساء بحاجة دائمة إلى الدعم المعنوي، كما الرجال أيضاً.
بين التوثيق والريلز
ورغم إقرارها بأهمية أدوات التواصل الحديثة، شددت عاروري على ضرورة ألا يكون المحتوى السريع بديلاً عن التوثيق المكتوب.
“الريلز مهمة، لكن الكتابة هي الأصل”، تقول، مؤكدة أن السرد المكتوب هو ما يصنع الذاكرة والتاريخ، ويحمي الرواية الفلسطينية من التزوير.
يُذكر أن بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.