تقرير أميركي: "مجلس السلام" وسيلة لتنفيذ رغبات إسرائيل بتطهير غزة

2026-02-13 12:30:25

تناول تقرير لمجلة "واشنطن ريبورت" الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، "مجلس السلام" الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأورد أنّ الغاية من إنشائه هو تنفيذ رغبات إسرائيل في تطهير قطاع غزة من الفلسطينيين، وإنشاء نظام عالميّ جديد يهيمن عليه المليارديرات، ويتحكمون فيه بمصائر الدول الضعيفة.

وبحسب التقرير الذي ترجمع موقع "عرب 48"، فإنّ ترامب قال إنّ "وقف إطلاق النار" الذي استمر ثلاثة أشهر في غزة "حقق نجاحًا باهرًا"، وصرّح برغبته الآن في الانتقال إلى المرحلة الثانية مما يسمى "خطة السلام".

وطرح التقرير تساؤلًا "كيف يبدو هذا النجاح؟"، لقد قتل الجنود الإسرائيليون أكثر من 460 فلسطينيًّا منذ بدء الاتفاق، من بينهم ما لا يقل عن 100 طفل. كما سوّت إسرائيل بالأرض 2500 مبنى آخر، هي من المباني القليلة التي كانت لا تزال قائمة.

وفي خضم كارثة إنسانية مستمرة هندستها إسرائيل؛ عبر حصارها للغذاء والماء والأدوية والمأوى، وُثّق أنّ ثمانية أطفال على الأقل تجمدوا حتى الموت مع انخفاض درجات الحرارة في الشتاء.

وتعبيرًا عن الانتقال إلى المرحلة الجديدة، أعلن ترامب عن "مجلس سلام" لتقرير مستقبل القطاع. إنّ كلمة "سلام" هنا تُستخدم للتضليل، مثلما استُخدمت كلمة "وقف إطلاق النار"؛ فالأمر لا يتعلق بإنهاء معاناة غزة، بل بخلق سيطرة على الرواية بأسلوب "الأخ الأكبر"، لترويج الاستئصال النهائي للحياة الفلسطينية في غزة على أنّه "سلام".

الرواية المروَّجة هي أنّه بمجرد نزع سلاح حماس، سيتولى المجلس مهمة إعادة إعمار غزة. والافتراض الضمني هو أنّ الحياة ستعود تدريجيًّا إلى طبيعتها للناجين من الإبادة الجماعية، التي ارتكبتها إسرائيل على مدار عامين، رغم أنّه لا يوجد زعيم غربي يعترف بأنّها إبادة، أو يهتم بمعرفة عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في هذه الحرب.

ووفق ما أظهرته تفاصيل هذا المجلس، فإنّ السلام ليس بالتأكيد ما يهدف المجلس إلى تحقيقه؛ بل هو تمرين خبيث في التضليل وذرّ الرماد في العيون.

وفي ما يلي المحاور التي استعرضها وركزّ عليها تقرير المجلة الأميركية التي تعرف عن نفسها بأنها "تغطي شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية في المنطقة":

لا ذكر لغزة في ميثاق "مجلس السلام"

إنّ مصطلح "مجلس" لا يلمح فقط إلى تفضيل ترامب للغة الأعمال على السياسة، بل يشير أيضًا إلى الفرص التجارية التي ينوي تحقيقها من "تحوّل" غزة. خطته تهدف إلى تجريد الأمم المتحدة، وبالتالي المجتمع الدولي، من أيّ إشراف على مصير غزة، ليعود الاستعمار من جديد "سافرًا وبكل فخر".

طموحات "مجلس السلام" لترامب أكبر بكثير من مجرد إدارة الاستيلاء على غزة. في الواقع، لم يُذكر القطاع ولا مستقبله في ما يسمى "ميثاق" المجلس الذي أُرسل إلى العواصم العالمية.

ففي دعوة مسربة إلى رئيس الأرجنتين، وصف ترامب المجلس بأنّه "نهج جديد وجريء لحل النزاعات العالمية". ويقول الميثاق إنّه سيكون "مرتكزًا على النتائج"، وإنّه يمتلك "الشجاعة للابتعاد عن النهج والمؤسسات التي فشلت في كثير من الأحيان".

وطالما حذر البعض من أنّ إسرائيل والولايات المتحدة تنظران إلى الفلسطينيين كـ"فئران تجارب"، سواء لاختبار الأسلحة وتقنيات المراقبة، أو لتغيير المعايير التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية، للحماية من عودة الأيديولوجيات الفاشية والعسكرية والتوسعية.

لقد شملت البنية القانونية والإنسانية الحاسمة التي وُضعت في حقبة ما بعد الحرب، الأممَ المتحدة ومؤسساتها المختلفة، بما في ذلك محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية. وقد قامت إسرائيل والولايات المتحدة باختبار هذا النظام حتى التدمير منذ بداية عامي الإبادة في غزة.

استبدال الأمم المتحدة

في 7 كانون الثاني/ يناير، أعلن البيت الأبيض انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة ومعاهدة عالمية، نحو نصفها تابع للأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، تعرض قضاة ومدّعو المحكمة الجنائية الدولية لعقوبات أميركية صارمة، لإصدارهم مذكّرتَي اعتقال بحق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن السابق يوآف غالانت. أما محكمة العدل الدولية، التي تحقق مع إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، فيبدو أنها أُجبرت على الصمت.

إنّ قيام ترامب باختطاف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، ورغبته في الاستيلاء على غرينلاند دليل كافٍ على أنّ النظام الدولي القائم على القواعد بات الآن في حالة يرثى لها.

ويأمل الرئيس الأميركي أن يوجّه "مجلس السلام" الخاص به الضربة القاضية، ليحل محل الأمم المتحدة ونظام القانون الدولي. قد تكون إعادة إعمار غزة مهمته الأولى، لكنّ ترامب لديه طموحات أكبر، فالمجلس يقف في قلب نظام عالمي جديد يتشكل على صورة ترامب، يقرر فيه المليارديرات وأتباعهم علانية مصير الدول الضعيفة، بناء على غرائز النخبة المفترسة لجني الأموال.

استئصال الشعب الفلسطيني من وطنه

لقد وضع ترامب نفسه على رأس هذا المشروع التجاري الإمبراطوري الجديد، وهو نسخة محدثة من "شركة الهند الشرقية". وبصفته رئيسًا للمجلس، يختار ترامب الأعضاء الآخرين بنفسه، ويمكنه إنهاء مشاركتهم متى شاء، وله وحده حق النقض، (الفيتو).

ويبدو أنّ فترة رئاسته للمجلس قد تمتد حتى إلى ما بعد فترة رئاسته للولايات المتحدة. كما يمكن شراء مقعد دائم في بديل ترامب لمجلس الأمن الدولي مقابل مليار دولار من الأموال النقدية.

وكان زعيم المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان من أوائل المنضمين، وتبعه نتنياهو في 21 كانون الثاني/ يناير، ومن بين المشاركين الأوائل الآخرين الإمارات العربية المتحدة، وفيتنام، وأوزبكستان، وكازاخستان، والمغرب، وبيلاروسيا، والأرجنتين.

لقد تم تمزيق ميثاق الأمم المتحدة، بالتزاماته الرسمية بعدم الاعتداء وتقرير المصير وحماية حقوق الإنسان في فرّامة ورق البيت الأبيض، فالعصابات ليس لديها وقت للقواعد.

عقود وإسرائيل تحلم بهذه اللحظة، هدم الأمم المتحدة ومؤسساتها القانونية. والآن تأمل أن يحررها ترامب، لإنهاء خطتها المنشودة منذ زمن طويل لاستئصال الشعب الفلسطيني من وطنه.

عقود لإعادة الإعمار

إنّ تهميش ترامب للأمم المتحدة يعني أنّ تقييماتها للواقع الذي تواجهه غزة يمكن دفعها بهدوء إلى الظل. حدّد ترامب جدولًا زمنيًّا مدته خمس سنوات لتحوّل غزة، لكنّ الأرقام ببساطة لا تتطابق.

فقد حذرت المنظمة الدولية أنّه حتى لو أنهت إسرائيل حصارها غدًا، فإنّ الأمر سيستغرق عقودًا لإعادة بناء غزة من الصفر. ووفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ففي أفضل الحالات، قد يستغرق الأمر سبع سنوات فقط لإزالة حوالي 60 مليون طن من الركام، في حين تشير دراسات أخرى للأمم المتحدة إلى جدول زمني أكثر واقعية يصل إلى 20 عامًا.

"مجلس السلام" وسيلة للتطهير العرقي

تحذر ذراع التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة من أنّ إسرائيل قد محت 70 عامًا من التنمية البشرية في غزة، ودمرت ما يقرب من 90% من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى "أسوأ انهيار اقتصادي سُجّل على الإطلاق". لقد اختفت مدارس غزة وجامعاتها، ومستشفياتها، ومكتباتها، ومكاتبها الحكومية. كما أنّ ما يسمى "الخط الأصفر" الإسرائيلي، الذي يقسم غزة إلى قسمين، قد ضم ما يقرب من 60% مما كان أصلًا إقليمًا صغيرًا.

الحقيقة هي أنّ هذه العقبات الهائلة لإعادة الحياة في غزة لا تكاد تُذكر في خطة ترامب للسلام. والسبب وجيه، فإذا جُردت الخطة من ضجيجها الإعلامي، سنجد أنّها لا تملك شيئًا جوهريًّا تقوله عن رفاهية سكان غزة. وبصراحة أكبر، خطة ترامب غير مهتمة بسكان غزة، لأنّها لا تتصور بقاءهم في القطاع لفترة طويلة.

إنّ هدف إسرائيل الذي لم يعد خفيًّا هو التطهير العرقي الكامل لغزة، وكان القصف السجاديّ يهدف إلى جعل المنطقة غير صالحة للسكن إطلاقًا. ولا تتعارض خطة ترامب مع هذا الطموح، بل تكمله، فـ"مجلس السلام" هو الوسيلة للوصول إلى الوجهة النهائية التي ترغب فيها إسرائيل.

تعميق التواطؤ

ستكون الوظيفة العملية الأولى لـ"مجلس السلام" هي ترسيخ تواطؤ الدول الغربية والعربية في استئصال إسرائيل لغزة. ومع ذلك، فإنّ سلطات صنع القرار الحقيقية لن تكمن في المجلس، بل في هيئة تنفيذية تضمّ سبع شخصيات مقربة من ترامب، ولن يكون فيها أي ممثل فلسطيني. وسيوجد الفلسطينيون فقط في لجنة تكنوقراطية "لإدارة غزة"، تشرف على الشؤون اليومية في ما يسمى "المنطقة الحمراء"، حيث يتم حشر الناس هناك.

أصحاب القوة الحقيقيون

لقد كان صهر ترامب، جاريد كوشنر، وسليل عائلة تعمل في العقارات، هو من وصف الإبادة الجماعية في غزة، في شباط/ فبراير 2024، بأنّها "نزاع عقاري". حينها طرح كوشنر فكرة تطوير القطاع إلى ملكية ذات واجهة بحرية "قيّمة للغاية" بمجرد "تنظيفه". أما ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط وقطب العقارات في نيويورك، فقد قضى شهورًا مع كوشنر في العمل على نشرة إعلانية من 40 صفحة لـ"غزة الجديدة" المقترحة.

ومن خلال ما يسمى "صندوق غريت" (Great Trust) وهو اختصار لـ"إعادة تشكيل غزة، والتعجيل الاقتصادي والتحوّل"، أعادوا تصور القطاع كمنتجع ساحلي براق، ومركز تقني يدر مليارات الدولارات. ويُنظر إلى سكان القطاع كعائق أمام تحقيق هذه الخطة، لذا يجب إعادة توطينهم في مكان آخر.

التقرب من الديكتاتوريين

يظهر أيضًا في المجلس التنفيذي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي ضلل البرلمان لغزو العراق في 2003. تروج إدارة ترامب لبلير كرجل دولة خبير في التنقل بين مطالب إسرائيل الصارمة، والآمال الفلسطينية الضائعة.

وفي الواقع، آخر شخص تحتاجه غزة هو بلير، كما أثبت خلال فترة عمله الكارثية كمبعوث للشرق الأوسط لمدة ثماني سنوات. هو من تجنب ممارسة أي ضغط دبلوماسي على إسرائيل، وظل صامتًا بشأن الحصار الذي فُرض على غزة في العام 2007.

الاستيلاء على غاز غزة

كانت إحدى معاركه الرئيسة كمبعوث هي الضغط على إسرائيل، للسماح لائتلاف تقوده بريطانيا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في مياه غزة الإقليمية. وبحسب التقارير، سعى لإغراء إسرائيل بالموافقة على صفقة بقيمة 6 مليارات دولار، من خلال الوعد بأن يتجه الأنبوب مباشرة إلى ميناء أسدود الإسرائيلي، لتكون إسرائيل هي المشتري الوحيد لغاز الفلسطينيين وتتحكم في سعره.

مثل بلير، ليس لدى ترامب أي اهتمام بأن يستفيد الفلسطينيون من مواردهم الخاصة، لكنه بلا شك سيكون حريصًا على الاستفادة من "خبرة" بلير للمساعدة في نهب حقول الغاز.

النظام العالمي الجديد لترامب

لقد نفى بلير أي تعاملات شخصية مع خطة "ريفييرا غزة" التي وضعها كوشنر وويتكوف، والتي يُشار إليها أحيانًا الآن باسم "مشروع إشراقة الشمس" (Sunshine Project)، وهي عبارة عن منتجعات شاطئية فاخرة، ومنطقة تصنيع ذكية سُميت تيمنًا بالملياردير إيلون ماسك.

إلا أنّ نسخة مُسربة، في تموز/ يوليو 2025، تشير إلى أنّ بصماته موجودة في كل تفاصيل الخطة، بما في ذلك مخطط "النزوح الطوعي" المقترح لشراء أراضي الملّاك الفلسطينيين بمبالغ زهيدة مقابل الهجرة من غزة.

وقد تبين أنّ عضوين رئيسين في مؤسسته الفكرية، "معهد توني بلير للتغيير العالمي"، كانا ينسّقان وراء الكواليس مع رجال أعمال إسرائيليين، و"مجموعة بوسطن الاستشارية" بشأن هذا المشروع.

وفي كانون الثاني/ يناير، رحّب بيان صادر عن المعهد بدور بلير في المجلس التنفيذي التابع لترامب، مشيرًا إلى أنّه "بالنسبة لغزة وشعبها، نريد غزة لا تعيد بناء نفسها كما كانت، بل كما يمكن ويجب أن تكون".

ومن الصعب التصديق بأنّ كلمة "يجب" التي استخدمها بلير تعني أي شيء سوى حلم إسرائيل بغزة خالية من الفلسطينيين، ورؤية ترامب لغزة كملعب للأثرياء.

إنّ نموذجًا لنظام عالمي جديد يتشكل في غزة، إذ يُنظر إلى القطاع الفلسطيني على أنّه أرض خصبة لمبادرات تهدف إلى تغيير المشهد السياسي والاقتصادي، مع تلميحات إلى طموحات أوسع نطاقًا تتجاوز المنطقة، مثل تلك المتعلقة بفنزويلا وغرينلاند.

القادة الأوروبيون الذين شاركوا في تسليح إسرائيل ودعمها دبلوماسيًّا خلال العمليات في القطاع، يُقال إنهم ساهموا في تمكين جهود الرئيس الأميركي.

هؤلاء الذين يسعون حاليًّا إلى إعلاء مكانة القانون الدولي و"النظام العالمي القائم على القواعد"، سواء في قضايا مثل غرينلاند أو أوكرانيا، هم أنفسهم يُنظر إليهم على أنّهم ساعدوا في تقويض هذا النظام في ما يتعلق بغزة، مما يضعهم الآن في موقف محرج.

لا يزال بإمكانهم التأثير على التطورات من خلال الامتناع عن الانضمام إلى مبادرات مثل "مجلس السلام"، وبدلًا من ذلك دعم المؤسسات الدولية والقانونية؛ كالأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية.