نتنياهو يضع قنبلةً في مجلس سلام ترمب

2026-02-09 11:50:08

القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، عشية مغادرة نتنياهو إلى واشنطن، كانت معدّةً سلفاً، وهي ليست وليدة اللحظة كما يبدو في الظاهر، بل إنها كانت تُمارس عملياً ولكن دون قراراتٍ صريحةٍ وإعلاناتٍ رسمية.

في السياق العام لسياسة الحكومة الحالية، كان أوضح تعبيرٍ عنها وأوضح إعلاناتٍ مسبقةٍ بشأنها، تولاها الثنائي سموتريتش وبن غفير، وزكّاها السفير الأمريكي هاكابي، ثم ما لبث وأن انضم إليهم وزير الحرب كاتس، ولم يكن بنيامين نتنياهو بعيداً عنها، بل كان المشجّع والحامي لهذا الاتجاه، مع تظاهرٍ بالاختلاف معه، إلى أن جاءت اللحظة التي رآها ضروريةً لإزالة الأقنعة، وهذا ما حدث بالأمس.

التوقيت.. تزامن مع الزيارة التي سيقوم بها نتنياهو لواشنطن، فهو يذهب إلى هناك وبيده قنبلةٌ يراها مؤثرةً في سياسات وتوجهات الرئيس ترمب، الذي كان أعلن عن رفضه ضمّ الضفة وكثيرون أخذوا هذا الموقف على محمل الجد، ليفرغه نتنياهو من مضمونه العملي، إنه يقول لترمب إن كل ما تقوله هو مجرد هراء.

فقدان الصدقية في هذه الحالة، يفترض أن ينعكس على مواقف الدول التي صدّقته بما فيها نحن، واعتبرت تصريحاته بشأن الاعتراض على ضم الضفة، تطورّاً مهماً ساعد على استمراره رئيساً للسلام في الشرق الأوسط والعالم.

قرارات الحكومة الإسرائيلية وثيقة الصلة كذلك بالتطورات الجارية على صعيد النزاع الأمريكي الإيراني، ذلك أن المخاوف الإسرائيلية من أن تُفضي محادثات مسقط إلى تسويةٍ لا تنسجم مع خطوط تل أبيب الحمراء، هذه المخاوف دفعت نتنياهو إلى اتخاذ القرارات الجراحية التي تجسّد انقلاباً جذرياً على ما تبقى من أوسلو، فالضفة الآن بين يدي محادثات الأربعاء هي رهينةٌ تجسدّ قنبلةً موقوتةً لا يتوقف تأثيرها عند الفلسطينيين، بل ستضرب في الصميم مجلس سلام ترمب الذي سينعقد في واشنطن، وما حمله نتنياهو معه من قراراتٍ كانت الإدارات الأمريكية بما في ذلك إدارة ترمب تحذر منها، ستجعل من مجلس السلام عنواناً زائفاً بلا مضمون، بعد أن بدد صدقيته في غزة، باستئناف الحرب على النصف الآخر من القطاع المفترض أن إسرائيل انسحبت منه وراء الحد الذي حوّلته إلى وهمي المسمّى بالخط الأصفر.

كان وزير الحرب وعلى نحوٍ مبكّر دقيقاً في وصفه بالحدود الجديدة لإسرائيل.

الذي حدث سيضاعف التحديات أمام الشعب الفلسطيني، الذي لن يبيع أرضه كما خطط وقرر الكابينت، من خلال إطلاق يد الإسرائيليين في شراء الأرض كأي سلعةٍ عاديةٍ بتسهيلاتٍ تسمّى قانونيةً وإجرائية، تتولاها الإدارة المدنية التي هي حكومة الاحتلال في الضفة.

والذي حدث كذلك يوجّه رسالةً مباشرةً بل ومدمرة للمعادلة التي أنشأها ترمب وشارك فيها عددٌ مهمٌ من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، فالسلام وإن كانت بدايته المفترضة من غزة المدمرة والتي ما تزال حرب الإبادة في طريقها لأن تُستأنف عليها،  فسلام الشرق الأوسط المنشود أو المدّعى، يتصل بصورةٍ وثيقةٍ بأرض فلسطين وشعبها، في الضفة والقطاع والقدس، ومن المفترض بل والمنطقي أن تعاقب إسرائيل على ما فعلت بما يتجاوز أحكام محكمة الجنايات والعدل الدولية، لتتخذ إجراءاتٌ على مستوى الدول لجعل الدولة العبرية تدفع ثمن ما تفعل، وما وصل فعلاً من اعتداءٍ رسميٍ مباشرٍ على حقوق الانسان الفلسطيني في حياته وأرضه وحاضره ومستقبله.

الفلسطينيون وقد فرض عليهم الإسرائيليون وبدعمٍ أمريكيٍ يصل حدّ الشراكة، حالة حربٍ غير متكافئة، يملكون السلاح الأقوى في وجه هذا الإجرام الرسمي الإسرائيلي، وهو بقاء الملايين الفلسطينية على أرضها مهما تعاظمت التحديات، وتحريم بيع مترٍ واحدٍ منها، وذلك يتطلّب تمتين أساسات وحدتهم الوطنية، والعمل المواظب والمتقن للحفاظ على صمودهم الذي بهر العالم كله رغم قلة الإمكانات المتوفرة لديهم، وكذلك القيام مع الأشقاء العرب والأصدقاء بأوسع حملةٍ على مستوى العالم كله لتطوير المواقف من حالة التضامن إلى حالة الإقدام على إجراءاتٍ فعّالة، إن لم تكن من أجل حماية الحقوق الفلسطينية، فمن أجل الحدّ من جعل قانون الغاب بديلاً عن القانون الدولي، الذي استثنت إسرائيل نفسها منه، ووجدت من يؤيد ويدعم ويبرر هذا الاستثناء.

منذ أكتوبر 2023 بدأت حرب الإبادة على غزة وبموازاتها تواصلت حرب الإبادة السياسة على الضفة، إنها في الأساس حربٌ واحدة، وما حدث بالأمس من قراراتٍ وترتيباتٍ إسرائيلية هي في المسار الطويل للكفاح الوطني الفلسطيني محطة تحدٍ كبير سيتكفل الصمود الفلسطيني القوي والعميق بالوقوف في وجهها وتعريف نتنياهو وحكومته بحقيقة أن من لم يهزم الشعب الفلسطيني عبر أكثر من ثلاثة أرباع القرن، لن يهزمه بقراراتٍ احتلاليةٍ يملك الشعب الفلسطيني رفضها والتصدي لها.

وفي هذه الحالة فالشعب الفلسطيني ليس وحده في الميدان وسوف نرى كيف يكون الصمود الفلسطيني والتصدي الشجاع للأمر الواقع الإسرائيلي مادة استقطابٍ فعّالة لحالة دوليةٍ شاملة، أفضل وأقوى بكثير مما كانت عليه في السابق.