خاص| بالألوان يداوون الحرب: فنانة تحوّل الرسم إلى علاج نفسي لأطفال غزة

2026-02-06 14:59:47

أروى عاشور - غزة- راية:

في غزة، حيث يسرق القصف الطفولة، ويكبر الأطفال قبل أوانهم، اختارت الفنانة التشكيلية ميساء يوسف أن تواجه الحرب بطريقة مختلفة… باللون، بالفرشاة، وبالمساحة الآمنة التي يصنعها الفن.

من بين الركام، ووسط الخوف والمجاعة والنزوح، تحوّل الرسم على يدي ميساء من هواية وفكرة مؤجلة، إلى وسيلة علاج نفسي للأطفال الذين شاهدوا ما لا يجب أن يراه طفل.

تقول الفنانة التشكيلية ميساء يوسف، البالغة من العمر 42 عامًا وأم لثلاثة أطفال، إن فكرة مشروعها كانت موجودة قبل الحرب، لكنها وُلدت فعليًا تحت القصف.

كانت تخطط لافتتاح مشغل فني في بيتها لتدريب الأطفال على الرسم وكل ما يتعلق بالفن، استجابة لطلب متزايد من الأهالي. لكن الحرب غيّرت كل شيء… دُمّر البيت، وبقيت الفكرة.

مع الأيام الأولى للحرب، بدأت ميساء ترسم مع أطفالها، محاولة إبعادهم عن أجواء الخوف والموت. ومع توافد النازحين إلى منزلها، الذي كان يضم أكثر من 28 طفلًا، تحوّل الرسم إلى مساحة جماعية للحديث عن الحرب، عن النزوح، وعن الصدمات.

تشرح ميساء أنها لم تكن مجرد ورشات رسم، بل جلسات تفريغ نفسي تفاعلي، يكتب فيها الأطفال رسائلهم، ويرسمون قصصهم، ويضعون مخاوفهم على الورق. ومع الوقت، بدأ المشروع يكبر، وبدأت جهات داعمة تتواصل معها داخل غزة وخارجها.

وتشير إلى أن جمعية Hope and Play كانت من أوائل الجهات التي دعمت المشروع واستمرت معه منذ السنة الأولى للحرب وحتى اليوم، إلى جانب دعم من أصدقاء ومؤسسات من هولندا، لندن، الولايات المتحدة، وإيطاليا. كما وفّرت جمعية Assopace Venezia Palestina أدوات فنية كان من شبه المستحيل الحصول عليها في ظل الحصار وشحّ المواد.

ورغم المجاعة، وانعدام الغذاء لفترات طويلة، تقول ميساء إن الأطفال كانوا يفتقرون لكل شيء… إلا الرغبة في الرسم.
“كانوا أحيانًا بلا طاقة، بلا أكل، لكن عندهم طاقة يعبروا عن مشاعرهم”، تضيف.

من بين الأطفال من خرجوا من تحت الركام، ومن فقدوا النطق، ومن شاهدوا أشلاء أقاربهم. أطفال أيتام ما زالوا يرسمون آباءهم، أو ينتظرونهم في لوحاتهم، غير مدركين تمامًا أنهم فقدوهم إلى الأبد.

توضح ميساء لـ"رايـــة" أنها تعتمد في عملها على أساليب علاجية، من بينها “العلاج بالغمر”، حيث يرسم الأطفال أحيانًا في أماكن تشبه تلك التي تعرضوا فيها للصدمات، مثل الرسم فوق أنقاض البيوت المدمّرة.
“في البداية كان صعبًا، لكن اليوم كسرنا الحاجز… صار الركام جزءًا من الواقع، ولم يعد يوقف حياتهم”، تقول.

وتلفت إلى التغيير الكبير الذي طرأ على الأطفال المشاركين؛ فقد أصبحوا أكثر تفاعلًا، وأكثر اجتماعية، وبدأت طاقتهم السلبية تظهر في الرسومات بدل السلوكيات العدوانية أو الانطواء.

وبدل رسم غزة المدمّرة فقط، صار الأطفال يرسمونها بعيونهم: طيور، ألوان، وفرشات… غزة جميلة كما يتمنونها، لا كما يفرضها القصف.

ورغم أن المكان غير مؤهل، ورغم القصف الذي طال مناطق قريبة من الورشات، إلا أن الأطفال ما زالوا يأتون.
“بيحسوا إنه المكان بيتهم الآمن”، تقول ميساء، مؤكدة أنها تتعامل معهم كأبنائها.

الدعم المحلي أيضًا كان حاضرًا، من مؤسسات مثل القطان، دار الكلمة، ومشاريع فنية أخرى، ما ساعد على استمرار الورشات حتى اليوم.

وتختم ميساء حديثها بالتأكيد على أن الفن لم يعالج الأطفال فقط، بل أوصل رسالتهم إلى العالم.
رسائل من فنانين وناشطين دوليين، بعضهم قال إن ابتسامة الأطفال وهم يرسمون فوق الركام أعادت لهم معنى الحياة، وعلّمتهم كيف يمكن للإنسان أن يتحدى الدمار بالجمال.