لا يجوز لحماس الانفراد في تقويم ما حدث

2026-01-31 09:57:16

من حق حماس أن تقوم بتقويم ما فعلت وما أنتج فعلها، ولكن ليس من حقها فرض تقويمها على الكل الفلسطيني.

ذلك أن ما فعلته حماس في السابع من أكتوبر 2023، كان عملاً انفردت به ونفّذته دون التشاور مع أي جهةٍ فلسطينيةٍ أو حتى حليفة، كحزب الله وإيران.

والانفراد بعمليةٍ على هذا المستوى وإن كان يندرج تحت اعتبارات الصراع المسلّح بما يتطلبه من سرية، إلا أن ما كان ينبغي توقعه وتفهمه هو تنصل من لم يُستشار بها كما فعلت إيران، ومحدودية المشاركة ثم التوقف في منتصف الطريق كما فعل حزب الله.

وكذلك إدانتها من قبل السلطة الرسمية واعتبارها سبباً في كارثةٍ أدّت إلى تدمير غزة وقتل وجرح مئات الألوف من أهلها.

في قرارات الحرب، لا يجوز الاعتماد على تلقائية مشاركة الحلفاء، أو استدعاؤهم للمشاركة بعد القيام بالعمل، ذلك أن لكل طرفٍ حساباته ورؤيته وتقدير كيفية مشاركته، ومن قبيل المجازفة افتراض أن المشاركة في الأدبيات العامة، يجسّد التزاماً من قبل أي جهةٍ بقرار الحرب، إذا ما اتخذ من طرف دولةٍ أو جهةٍ أخرى.

في السابع من أكتوبر 2023، أفاقت إسرائيل من نومها، وكانت حماس قتلت من قتلت وأسرت من أسرت، وكانت الحصيلة أن تكبّدت إسرائيل أفدح الخسائر في أقل مدىً زمني، وكان لابد من ردٍ ليس فقط للثأر مما حدث، وإنما لترميم الوضع النفسي المنهار في إسرائيل، وبفعل ذلك جاء الرد على هيئة حرب إبادةٍ أفضت إلى تدمير غزة، وقتل وجرح مئات الألوف من أهلها.

تواصلت الحرب منذ ذلك السابع من أكتوبر 2023، حتى كتابة هذه السطور في عامها الثالث، ولا يُنكر أن مقاومةً شرسةً وعنيدة، أدّتها حماس ومن معها في غزة مقابل إفراط إسرائيل في استخدام أدوات القتل والتدمير، وجعل معركة غزة بدايةً لإبادة القضية الفلسطينية سياسياً وحتى وجودياً، وقد ذهبت إسرائيل في حربها هذه إلى الحدود القصوى في كل شيء، ليس فقط لتصفية القضية الفلسطينية، وإنما بفرض سيادةٍ على منطقة الشرق الأوسط كلها.

بعد هذه المدة الزمنية الأطول في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، وحروب المنطقة بمختلف عناوينها ومساراتها، تقلّصت الشعارات والأهداف مما كانت عليه صبيحة نجاح عملية طوفان الأقصى، لهذا لا يحق لحماس وحدها تقويم ما حدث، ووضع خلاصاتٍ مسبقةٍ له، على أنه حقق انتصاراً تاريخياً، ذلك لأن الحرب أصابت الشعب الفلسطيني كله وأصابت القضية الفلسطينية من كل جوانبها وكذلك أصابت هذه الحرب دول الجوار وامتداداتها الإقليمية والدولية.

إذاً... لابد من أن تقوم هيئةٌ وطنيةٌ مستقلة تخلو من أتباع التشكيلات وأصحاب الأحكام المسبقة ممن التزموا بثنائية النصر أو الهزيمة، وعند الفلسطينيين عقولٌ وخبراء ومتخصصون في كل المجالات، ويمتلكون قدراتٍ على أداء تقويمٍ موضوعي، ليس بهدف ترجيح فكرة نصرٍ أو هزيمة، وإنما للتوصل إلى الحقيقة عبر مقاييس موضوعيةٍ عادلة لكل ما يتصل بالحرب منذ أول ساعة منها حتى الخلاصات السياسية التي أفضت إليها، ومثلما تشارك كل الفلسطينيين في خساراتها فلا يجوز منطقياً وأخلاقياً أن لا يتشاركوا كلهم في تقويمها من الألف إلى الياء، وذلك لا يمنع من مشاركة أطرافٍ عربيةٍ مستقلةٍ في هذا العمل الذي أضحى حداً فاصلاً بين مرحلةٍ تهم الجميع والانتقال إلى مرحلة جديدة تهم الجميع كذلك.