من محاربة أوسلو إلى العودة إلى جوهرها بعد صناعة اليمين المتطرف: مفارقة السياسة وكلفة الشعارات وارتداداتها الخطيره…
لم يكن الخلاف حول اتفاقية أوسلو خلافًا عابرًا، بل شكّل أحد أعقد الانقسامات في التاريخ السياسي الفلسطيني. فقد تصدّرت قوى وفصائل رفعت شعار إسقاط أوسلو بوصفها خيانة وطنية، وقدّمت “المقاومة” باعتبارها البديل الشامل، المكتفي بذاته، والمتحرر من السياسة ومن الحسابات الواقعية. لكن ما يجب التوقف عنده اليوم، بعد عقود من التجربة، هو حصيلة هذا الخيار، ومآلاته الخطيرة، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على طبيعة المشهد السياسي في إسرائيل نفسها.
أوسلو، رغم كل ما يؤخذ عليها، لم تكن مشروعًا مثاليًا ولا طريقًا مكتملًا للاستقلال، لكنها حققت مكاسب سياسية لا يمكن إنكارها. فقد أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكرّست الاعتراف بالشعب الفلسطيني وقيادته، وثبّتت — لأول مرة — مشروع الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 كحل سياسي معترف به دوليًا، لا كمطلب عاطفي أو شعار نضالي.
المفارقة اللافتة أن كثيرين ممن حاربوا أوسلو وأسقطوها سياسيًا، عادوا اليوم — تصريحًا أو تلميحًا — إلى جوهرها ذاته: الحديث عن دولة، وعن حدود 67، وعن قرارات الشرعية الدولية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا جرى تخوين هذا المسار لعقود، إذا كان السقف النهائي هو نفسه؟ ولماذا دُفع الشعب الفلسطيني إلى أثمان باهظة، إنسانية وسياسية، للعودة المتأخرة إلى النقطة ذاتها؟
إن نهج “المقاومة” الذي بشّرت به حركة حماس، وجرى تقديمه بوصفه البديل الثوري لأوسلو، لم يُنتج مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولم يُسقط الاحتلال، ولم يوقف الاستيطان. بل إن الأثر الأخطر لهذا النهج تمثّل في تغذية صعود اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفًا وعنصرية. فالعنف غير المحسوب، والعمليات التي تفتقر إلى أفق سياسي، وفّرت لليمين الإسرائيلي الذريعة المثالية لتكريس خطابه القائم على إنكار وجود شريك فلسطيني، وتعميق عقلية الحصار، وتبرير القتل الجماعي، وتسويق الاحتلال باعتباره “دفاعًا عن النفس”.
لقد ساهم هذا المسار، موضوعيًا، في إزاحة المجتمع الإسرائيلي أكثر فأكثر نحو التطرف، وفي إيصال قوى فاشية وعنصرية إلى الحكم، قوى لا تؤمن بالسلام، ولا بالدولة الفلسطينية، ولا حتى بالحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. وهكذا، تحوّل الشعار الذي رُفع باسم المقاومة إلى أداة غير مباشرة في خدمة أكثر المشاريع الإسرائيلية تطرفًا.
واليوم، بعد السابع من أكتوبر، تقف القضية الفلسطينية أمام أخطر منعطف في تاريخها الحديث. إسرائيل تستثمر الحدث لتشن حرب إبادة مفتوحة، وتعيد طرح مشاريع التهجير، وتعمل على كسر فكرة الدولة الفلسطينية نهائيًا، في ظل صمت دولي مريب، وتراجع غير مسبوق في الحماية السياسية للشعب الفلسطيني. في هذه اللحظة، يصبح غياب المشروع الوطني الواضح، وتغليب الشعارات على السياسة، خطرًا وجوديًا لا مجرد خطأ تكتيكي.
إن الدولة الفلسطينية على حدود 1967 لم تعد خيارًا تفاوضيًا قابلًا للأخذ والرد، بل أصبحت خط الدفاع السياسي الأخير في وجه مشاريع الضم، والتهجير، وتصفية القضية. وأي مسار وطني لا يعيد الاعتبار لهذه الحقيقة، ولا يوحّد أدوات النضال ضمن رؤية سياسية مسؤولة، إنما يفتح الباب واسعًا أمام مزيد من الكوارث.
إن إسقاط أوسلو دون تقديم بديل أفضل لم يكن فعل تحرر، بل تركًا للفراغ، والفراغ — كما أثبتت التجربة — لا يبقى فارغًا، بل تملؤه قوى التطرف والدمار. واليوم، فإن العودة المتأخرة إلى أهداف أوسلو، بعد كل هذا النزيف، تفرض مراجعة شجاعة وصريحة، لا بحثًا عن تبرير الماضي، بل إنقاذًا للمستقبل.
ففي زمن الأخطار الكبرى، لا تكون الشجاعة في رفع الشعارات العالية، بل في امتلاك الوضوح، وتحمل المسؤولية، وبناء مشروع وطني يُحاسَب على نتائجه، لا على النوايا … فالطريق الى جهنم كما يقولون معبده بالنوايا الحسنة..