تعديل قانون الانتخابات المحليه اليوم والمرجعيات: ما الذي تغيّر فعلًا؟

2026-01-30 10:04:33

أثار التعديل الذي أُقرّ على قانون الانتخابات المحليه اليوم نقاشًا واسعًا، تجاوز الجانب القانوني إلى أسئلة سياسية أعمق تتعلق بالمرجعية، وبالفرق بين ما هو قانون دولي وما هو التزام سياسي. وبين من اعتبر التعديل خروجًا عن “الشرعية الدولية”، ومن رآه تصحيحًا لمسار طويل من الخلط، برزت الحاجة إلى شرح هادئ ومباشر لما جرى فعليًا.

البداية: ماذا نعني بالشرعية الدولية؟

الشرعية الدولية، ببساطة، هي مجموعة القواعد والقرارات التي أقرّها المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة وهيئاتها. وتشمل قرارات تتعلق بحق تقرير المصير، وعدم جواز احتلال الأرض بالقوة، وحقوق اللاجئين، وحماية المدنيين تحت الاحتلال.

في الحالة الفلسطينية، تشكّل هذه الشرعية الأساس القانوني للحقوق الوطنية، وهي حقوق ثابتة لا تسقط باتفاقات سياسية ولا تتغير بتغير موازين القوى.

أين تدخل منظمة التحرير؟

منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومعترف بها دوليًا. ومن هذا الموقع، دخلت المنظمة عبر العقود في التزامات متعددة، لكن هذه الالتزامات ليست من نوع واحد.

بعضها يرتبط مباشرة بقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويقع ضمن إطار الشرعية الدولية. لكن جزءًا آخر نشأ عن اتفاقات سياسية مرحلية، أبرزها اتفاق أوسلو وما تفرّع عنه من ترتيبات أمنية وإدارية واقتصادية. هذه التزامات سياسية تفاوضية، وليست قوانين دولية.

المشكلة بدأت حين جرى التعامل مع هذه الالتزامات السياسية وكأنها جزء من الشرعية الدولية نفسها، وتحويلها إلى شرط قانوني دائم للمشاركة السياسية.

وماذا عن الرباعية الدولية؟

يزداد الخلط حين تدخل اللجنة الرباعية الدولية إلى المشهد. فالرباعية إطار سياسي دولي، وليست جهة قانونية. ما يصدر عنها بيانات وشروط وخطط تفاوضية تعكس موازين القوى الدولية، لا قواعد القانون الدولي.

ورغم مشاركة الأمم المتحدة في الرباعية، فإن قراراتها لا تتحول تلقائيًا إلى قرارات أممية ملزمة، ولا تُعد جزءًا من الشرعية الدولية.

ماذا فعل التعديل الجديد؟

التعديل الذي أُقرّ على قانون الانتخابات المحلية اليوم أعاد ترتيب هذه المستويات بدل خلطها. فقد:

• أسقط شرط الالتزام بـ“الالتزامات الدولية لمنظمة التحرير” بمعناها السياسي التفاوضي،

• وأبقى شرط الاعتراف بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي،

• وأبقى الالتزام بالشرعية الدولية كمرجعية عامة.

بمعنى آخر، لم يُسقط التعديل المرجعية الوطنية، ولم يتخلَّ عن القانون الدولي، بل فصل بين الحقوق القانونية الثابتة والالتزامات السياسية المتغيرة.

لماذا هذا الفصل مهم؟

لأن الانتخابات، في جوهرها، أداة لتنظيم التعدد السياسي، لا وسيلة لفرض برنامج سياسي واحد أو إقصاء قوى بعينها بسبب مواقف تفاوضية. ربط الترشح بالشرعية الدولية يعني الالتزام بحقوق عامة متفق عليها، لا بتفاصيل سياسية خلافية.

كما أن هذا الفصل يمنع استخدام مصطلح “الشرعية الدولية” كغطاء سياسي لإدامة واقع قائم، أو لإقصاء قوى سياسية تحت ذريعة قانونية غير دقيقة.

الخلاصة

ما جرى في تعديل قانون الانتخابات ليس انقلابًا على المرجعيات، بل إعادة ترتيب لها:

• الشرعية الدولية تبقى السقف القانوني الأعلى،

• منظمة التحرير تبقى الإطار الوطني الجامع،

• والالتزامات التفاوضية تعود إلى مكانها الطبيعي كخيارات سياسية قابلة للنقاش والمراجعة.

في ظل واقع سياسي مأزوم وغياب طويل للانتخابات، لا يحلّ هذا التعديل كل الإشكاليات، لكنه يعيد طرح سؤال جوهري: هل نريد قانونًا ينظّم التعدد السياسي، أم قانونًا يديره ويقيّده؟

والإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل الحياة السياسية الفلسطينية أكثر من أي نص قانوني بحد ذاته .