تدخل أميركي مُعلن ومباشر ضد نوري المالكي في العراق: الخلفيات والتداعيات
ملخص تنفيذي – تقدير موقف
تدخل أميركي مُعلن ومباشر ضد نوري المالكي في العراق: الخلفيات والتداعيات
- يمثل الموقف الأميركي المُعلن ضد عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية تحولًا نوعيًا في أسلوب التدخل الأميركي في الشأن العراقي، من ضغوط غير مباشرة ورسائل دبلوماسية ملتبسة، إلى موقف سياسي علني وصريح صادر عن أعلى سلطة تنفيذية في الولايات المتحدة. ويعكس هذا التحول إدراك واشنطن لخطورة إعادة إنتاج نماذج حكم ترى أنها مسؤولة عن انهيار الدولة العراقية وصعود الفوضى والتنظيمات المتطرفة.
- يؤكد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أي عودة للمالكي ستقود إلى وقف الدعم الأميركي للعراق، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واقتصادية وأمنية، خصوصًا في ظل اعتماد بغداد على الشراكة مع الولايات المتحدة في ملفات الاستقرار، والطاقة، ومكافحة الإرهاب. وبهذا المعنى، لا يُفهم الموقف الأميركي بوصفه اعتراضًا شخصيًا على المالكي فحسب، بل كرسالة مباشرة إلى القوى السياسية العراقية، ولا سيما داخل “الإطار التنسيقي”، بأن المرحلة الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإعادة تدوير قيادات مرتبطة بتجربة الفشل والانقسام.
- يضع التقدير هذا التدخل في سياق أوسع يتصل بتصاعد المواجهة الأميركية–الإيرانية ومحاولة واشنطن تحجيم نفوذ طهران في العراق والمنطقة. فالتصريحات المتزامنة لكل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي توم باراك، تؤكد أن أي حكومة عراقية تُعدّ خاضعة لإيران ستكون عاجزة عن حماية مصالح العراق أو إبقائه خارج صراعات الإقليم. وهو ما يعني أن ترشيح المالكي يُقرأ أميركيًا باعتباره إعادة تموضع إيراني داخل بغداد في لحظة إقليمية تشهد تراجعًا ملموسًا لنفوذ طهران.
- داخليًا، ساهم الموقف الأميركي في تعميق الانقسامات داخل المشهد السياسي العراقي، سواء داخل الإطار التنسيقي نفسه، أو بين القوى السنية والكردية، التي عبّرت بدرجات متفاوتة عن رفضها إعادة إنتاج تجربة حكم ارتبطت، بحسب توصيف واسع، بالطائفية المنهجية، والفساد، وتفكيك مؤسسات الدولة، وانتهت بسقوط الموصل عام 2014. كما أتاح هذا الموقف إعادة خلط الأوراق، ودفع بعض القوى المترددة إلى التحذير من كلفة المضي بترشيح المالكي على علاقات العراق الدولية واستقراره الداخلي.
- يرجّح التقدير أن يكون تنازل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لصالح المالكي خطوة تكتيكية محسوبة، بُنيت على قناعة مسبقة بأن ترشيح المالكي لن يمر داخليًا أو خارجيًا، ما يعزز فرص عودة السوداني أو بروز مرشح توافقي لاحقًا. وفي هذا السياق، يبدو أن الإطار التنسيقي بات أمام مأزق حقيقي: الإبقاء على مرشح مرفوض دوليًا، أو التراجع عنه تفاديًا لعزلة سياسية واقتصادية قد تضر بمصالح أطرافه.
- يشير التقدير إلى أن النفوذ الأميركي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى أدوات ضغط مالية واقتصادية بالغة التأثير، في مقدمتها إدارة عائدات النفط العراقي عبر آليات قانونية دولية مقرها مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي. وهو ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في القرار العراقي، ويجعل أي حكومة مقبلة مضطرة لمراعاة الخطوط الحمراء الأميركية.
خلاصة القول: إن التدخل الأميركي المباشر ضد عودة نوري المالكي لا يعكس فقط رفض واشنطن لشخصه أو لتجربته السابقة، بل يؤشر إلى نهاية مرحلة سياسية في العراق، وبداية مقاربة أميركية أكثر صراحة في رسم حدود المقبول والمرفوض في تشكيل السلطة. وفي ضوء المعطيات الداخلية والإقليمية، يستبعد التقدير أن يتمكن المالكي من حشد أغلبية سياسية تؤهله لتشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام تسويات جديدة تعكس موازين القوى المتبدلة في العراق والمنطقة.