هل حان زمن الذهب كبديل عن أميركا؟
منذ مطلع 2026، مشهد المعادن الثمينة لم يعد عاديا ولا قابلا للتجاهل؛ الذهب اخترق مستوى 5000 دولار للأونصة، والفضة تجاوزت 110 دولارات، في حركة عامودية تشبه إلى حد بعيد لحظات الانفجار في الفقاعات المالية الكبرى.
يظهر مسح لمنصة المنقبون أنه وفي أقل من 18 شهرا تضاعف الذهب بالدولار، وفي أقل من أربعة أشهر فعلت الفضة الشيء نفسه.
وفي زمن الأسهم والتقنيات والذكاء الاصطناعي، فجأة يعود معدن قديم إلى واجهة اللعبة وكأنه يعلن تمرّدا صامتا على النظام المالي الأمريكي.
القراءة التقليدية تقول إن ما يحدث هو "تجارة تآكل العملة" أو ما يعرف بالـ Debasement Trade؛ الفكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: جزء متزايد من المستثمرين والمؤسسات حول العالم لم يعد يثق بالدولار كمعيار محايد أو كأصل خالٍ من التسييس.
فالعقوبات المالية وتجميد الأصول واستخدام النظام المالي كسلاح سياسي، كلها راكمت قناعة لدى كثيرين أن من يعتمد على الدولار بشكل كامل، يسلّم مفاتيح أمنه المالي لواشنطن.
هنا يعود الذهب إلى دوره التاريخي: الأصل الذي سبق أن كان مرساة النظام النقدي العالمي. "أصل الانسحاب" كما يسميه بعض مديري الثروات الآن.
القراءة التقليدية تقول إن ما يحدث هو "تجارة تآكل العملة" أو ما يعرف بالـ Debasement Trade؛ الفكرة بسيطة وخطيرة في آن واحد: جزء متزايد من المستثمرين والمؤسسات حول العالم لم يعد يثق بالدولار كمعيار محايد أو كأصل خالٍ من التسييس.
إذا لم تعد تثق في حياد الدولار، وإذا بدأت ترى أن حتى العملات الرقمية الكبرى باتت أقرب إلى المؤسسة الأمريكية منها إلى "المقاومة"، فإلى أين تذهب؟ إلى الذهب ومعه الفضة بدرجة أقل.
ولأكثر من عقدين كان الذهب يُعتبر أصلا "يميني" الهوى، مفضلًا لدى المحافظين وأنصار الدولة الصغيرة، وأنصار العودة للانضباط المالي الصارم.
ثم جاءت البيتكوين وسرقت الكثير من بريقه بين جيل شاب رأى في العملات المشفرة "ثورة" على النظام المالي القديم. لكن في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد تدريجيًا.
فمع دخول الحكومات والبنوك الكبرى وصناديق وول ستريت بثقلها إلى سوق الكريبتو، بدأت صورة البيتكوين كأصل "متمرد" تتآكل في أعين كثير من المستثمرين الكبار خارج الولايات المتحدة. الانطباع المتنامي لديهم أن العملات المشفرة باتت جزءا من اللعبة، أكثر مما هي خروجٌ عليها.
في المقابل، حافظ الذهب على شيء جوهري: لا بنك مركزي أمريكي يتحكم فيه، لا شبكة رقمية يمكن إيقافها بزر، ولا منصة تداول يمكن فصلها عن نظام المدفوعات العالمي بقرار سياسي.
قطعة المعدن نفسها المخزّنة في خزنة محايدة أو في بنوك سويسرا وسنغافورة، تمثل ما يمكن وصفه بـ "الأصل المضاد للهيمنة".
هنا تبدأ فكرة جديدة بالظهور: ماذا لو أصبح الذهب ليس فقط ملاذا تقليديا، بل أصلا مضادا لترمب نفسه؟ ليس من زاوية داخلية أمريكية، بل من منظور الحكومات والمستثمرين الذين يريدون تقليل اعتمادهم على نظام مالي تقوده إدارة يعتبرونها غير متوقعة، متقلبة، وتستخدم الدولار كأداة ضغط.
صعود الذهب والفضة الحالي لا يمكن فصله عن هذه الخلفية الجيوسياسية. تصاعد الخطاب العدائي تجاه الاحتياطي الفيدرالي، تهديدات باستخدام أدوات مالية ضد خصوم واشنطن، توتر متزايد مع أوروبا والصين، وحتى الحديث المتكرر عن إعادة هندسة التحالفات العالمية؛ كلها عناصر تدفع بعض مديري الأصول السياديين وكبار المستثمرين إلى رفع الوزن النسبي للذهب في محافظهم، ليس فقط كتحوّط من التضخم، بل كتحوّط من "ترامب" كظاهرة سياسية.
المعادلة الآن معقدة: هناك بحر من الأموال المحبوسة في أصول مقوّمة بالدولار تبحث عن مخارج بديلة، والذهب هو المرشح الأول، يليه الفضة.