الانضباط قبل الامتياز: مكافحة الفساد في عهد شي جين بينغ

2026-01-27 11:17:54

على مدى أكثر من عقد من الزمن، شكّلت مكافحة الفساد في الصين منذ وصول شي جين بينغ إلى السلطة في أواخر عام 2012 أحد أهم أعمدة السياسة الحزبية والحكومية، ليس فقط كأداة لضبط الأخلاق العامة، بل كجزء أساسي من التحول السياسي المؤسسي واستعادة الثقة الشعبية في الحكم والسلطة. حملة مكافحة الفساد هذه لم تكن حدثًا عرضيًا، بل كانت جهدًا مستمرًا ومنهجيًا تعهّد شي بنفسه بقيادته، إلى حد التأكيد المتكرر أن الحزب لا يمكن أن يخسر هذه المعركة، ولا يجوز أن يتراجع عنها أبدًا.

القتال ضد الفساد

منذ الأيام الأولى لتوليه منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وضع شي مكافحة الفساد في صميم رؤيته لقيادة الحزب والدولة. لقد قال بوضوح إن القتال ضد الفساد هو "صراع رئيسي لا يمكن للحزب أن يخسره، ويجب ألا يخسره أبدًا"، مؤكّدًا أن الوضع لا يزال "خطيرًا ومعقدًا"، وأن مهمة القضاء على بيئات وظروف الفساد لا تزال "شاقة". وشدّد على ضرورة ألّا يكون هناك مكان يختبئ فيه المسؤولون الفاسدون، وأن الجميع - مهما كان منصبهم - متساوون أمام القانون واللوائح.

وقد تجسّد هذا الالتزام في حملة واسعة النطاق طالت مسؤولين في أعلى مستويات السلطة، من الوزراء وقادة الشركات المملوكة للدولة إلى أرفع الضباط في الجيش الشعبي لتحرير الصين. وبدءًا من عام 2012، استهدفت الحملة "االنمور" - كبار القادة - وكذلك "الذباب" - المسؤولين على المستويات المحلية والدنيا - في إشارة واضحة إلى أن لا أحد بمنأى عن المساءلة.

تشير التقارير الرسمية الصينية إلى أن هيئات مكافحة الفساد في البلاد واصلت على مدار عام 2025 مراقبة كبار المسؤولين بعين دقيقة، وأن التحقيقات امتدت لتشمل نحو 65 مسؤولًا إداريًا مركزيًا في ذلك العام وحده، أغلبهم من مستوى وزاري أو أعلى، بينما تمت مراقبة آلاف المسؤولين على المستويات الدنيا وتحويل عشرات الآلاف منهم إلى القضاء.

ولم تقتصر جهود مكافحة الفساد على الداخل فقط، بل امتدت إلى الخارج عبر عمليات مثل "سكاي نت"، التي أعادت مئات الهاربين من الفاسدين إلى الصين، واستردّت مليارات اليوان من الأصول المنهوبة. وقد شددت السلطات الصينية على أن هذه الجهود تعكس مبدأ عدم التساهل مع الفساد أينما وُجد، وعدم السماح بتحوّل الحدود الدولية إلى ملاذات آمنة للإفلات من العدالة.

وفي كلماته خلال جلسات حزبية رسمية، كرر شي جين بينغ أن الحزب سيستمر في تشديد الحوكمة الذاتية داخله، وأن ضبط السلطة بقواعد مؤسسية صارمة هو الضمانة الحقيقية لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى، وليس مجرد إجراءات ظرفية. وأكد أن الالتزام بالقانون والانضباط لا يتيح أي استثناء أو امتياز لأي مسؤول، وأن أجهزة الرقابة ووحدات التفتيش يجب أن تعمل بشكل مترابط ومتكامل لمعالجة جذور الفساد، لا مظاهره فقط.

قفص القوانين واللوائح

وفي هذا الإطار، تقوم آليات مكافحة الفساد في الصين على منظومة مؤسسية واضحة تقودها اللجنة المركزية لفحص الانضباط، التي تُعد الذراع الرقابية العليا داخل الحزب، وتعمل بالتوازي مع لجنة الرقابة الوطنية والأجهزة القضائية. هذه المنظومة لا تكتفي بالتحقيق بعد وقوع المخالفة، بل تعتمد على التفتيش الدوري، ومراجعة أنماط استخدام السلطة، وتتبع مسارات اتخاذ القرار داخل المؤسسات، بما يربط المسؤولية السياسية مباشرة بالمساءلة القانونية.

ويؤكد شي في هذا السياق أن السلطة يجب أن تُمارَس داخل "قفص من القوانين واللوائح"، في تعبير بات يشكّل أحد المفاهيم المفصلية في فكره السياسي. فمكافحة الفساد، وفق هذا المنطق، لا تقوم فقط على العقاب، بل على بناء نظام يمنع تراكم الامتيازات، ويُخضع مراكز القوة - الحزبية والإدارية والعسكرية - لرقابة دائمة وممنهجة، تجعل الانحراف مكلفًا وصعبًا، لا مغريًا وسهلًا.

في هذا السياق الأوسع، تُظهر حملة مكافحة الفساد في الصين تحت قيادة شي بروز مفهوم جديد للانضباط الحزبي والدولة، حيث يُنظر إلى الفساد لا باعتباره خطأً إداريًا أو ماليًا فحسب، بل كعامل يعيق التنمية الوطنية، ويقوض الشرعية الشعبية، ويهدد تماسك الحزب وقدرته على القيادة. وقد أصبحت هذه الحملة جزءًا لا يتجزأ من الهوية السياسية لقيادة شي، ومحورًا في رؤيته لبناء نظام حكم قادر على تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على قوة الحزب وثقة الشعب.

وفي توصيفه لطبيعة هذه المعركة، ربط شي جين بينغ بشكل مباشر بين سلوك الحزب ومستقبله السياسي، معتبرًا أن "سلوك الحزب أمر حاسم لكسب دعم الشعب، وهو يتعلق ببقاء الحزب أو زواله". وانطلاقًا من هذا الفهم، شدّد على أن مواجهة الفساد قد تتطلب قرارات صعبة، قائلاً: "علينا أن نُسخط بضعة آلاف من المسؤولين الفاسدين، بدلًا من أن نُخذل 1.4 مليارأً من الشعب الصيني". وفي أكثر من مناسبة، أكد أن هذه المهمة ليست ظرفية أو محدودة بزمن، محذرًا من وهم الحلول السريعة، ومشيرًا إلى أن ترسيخ الانضباط قد يحتاج إلى سنوات طويلة، مضيفًا: "إذا لم تكن عشرة أعوام كافية، فربما نحتاج إلى عشرين أو ثلاثين عامًا".

واليوم، ومع استمرار التحقيقات التي طالت حتى كبار القادة العسكريين والمسؤولين في الهيئات العليا - كما في القضايا الأخيرة التي شملت نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية ورئيس هيئة الأركان المشتركة - تؤكد الصين مجددًا أن الانضباط والقانون لا يستثنيان أحدًا، مهما بلغت رتبته أو قربه من مركز القرار.

بهذا المعنى، يمكن القول إن حملة مكافحة الفساد في عهد شي جين بينغ ليست حملة مؤقتة، بل عملية طويلة الأمد لإعادة بناء "السياسة الأخلاقية" داخل أجهزة الدولة، وخلق بيئة تُمارَس فيها السلطة تحت رقابة صارمة، ويُقاس فيها الولاء الحقيقي بمدى الالتزام بالقواعد التي وضعها النظام نفسه، لا بمواقع النفوذ أو الامتياز.