التجاوز الصامت أمام معركة القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، الجرس الأخير
لم يعد النقاش حول مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية بالمرجعية المفترضة لمنظمة التحرير نقاشاً إصلاحياً بالمعنى التقليدي ، بل بات نقاشاً حول مصير القرار الوطني الفلسطيني المستقل نفسه والمتمثلة في من يملكه ، وكيف يُمارس ، ولأي مشروع سياسي يُسخر . فالتقارير الأمريكية المتداولة أخيراً التي تستند الى ما نشره "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" ، حول نماذج أدارة المناطق الخارجة من الحرب ، الرؤية التي رأها البعض تتجاوز الأدوات التقليدية التي هيمنت على مقاربات التسوية السياسية خلال العقود الماضية من سياسات الإدارات الأمريكية والمجحفة اصلاً بحق شعبنا .
وهي رؤية تطرح صراحة فكرة تجاوز السلطة الوطنية بصيغ تكنوقراطية وإدارية بديلة ، لا تعكس مجرد تقييم لأداء فلسطيني مأزوم ، بل تشير إلى تحول استراتيجي في مقاربة القضية الفلسطينية .
الخطر الحقيقي في هذه التقارير لا يكمن في نقدها لأداء السلطة ، وهو نقد لا يخلو من وقائع صحيحة وأخطاء بنيوية معروفة لنا ، كنا قد حذرنا منها مراراً تكراراً ، بل في السياق السياسي الذي تُقدم فيه هذه الخلاصات . إذ يجري في هذه التقارير والرؤية فصل الأزمة الفلسطينية عمداً عن سببها الجوهري المتمثل في الأحتلال الإسرائيلي الأستيطاني وسياسات اليمين المتطرف والرؤية الإستعمارية ، واختزالها في فشل فلسطيني إداري داخلي ، بما يسمح بتسويق “الإدارة البديلة” كحلٍ دائم .
إن ما يُطرح اليوم أمريكياً ، ضمن الرؤية الشاملة للرئيس ترامب تجاه الشرق الأوسط وقضايا العالم ، هو نموذج يقوم على نقل الوظائف الأساسية للسلطة السياسية والمدنية والاقتصادية والأمنية ، إلى أطر موازية غير سياسية مدعومة خارجياً ، مع الإبقاء على "شكل سياسي قائم" كواجهة بلا مضمون يستند الى الدور المفترض لمنظمة التحرير الفلسطينية . هذا النموذج يعكس فهم الإدارة الأمريكية بأن الإدارة التقليدية للسلطة الفلسطينية لم تعد قابلة للأستمرار ، ويسعى إلى ضبط المنطقة وفق منظومة مصالح أمريكية متشابكة مع حلفائها ، بما يُسمى "بالتجاوز الصامت" ، اي إنهاء الدور السياسي الفلسطيني دون إعلان ، ودون تحمل كلفة سياسية أو أمنية مباشرة .
إن تجربة ما يسمى "لجنة إدارة غزة / التكنوقراط " والمنبثقة عن مجلس سلام ترامب واللجنة التنفيذية كمرجعية لها اضافة الى اللجنة الأمنية الي أعلن عنهم قبل ايام بمكوناتها ذات الطابع الصهيوني ، كما يجري تسويقها سياسياً ، تُستخدم كنموذج يُراد تعميمه ، ليس بدافع الحرص على وحدة النظام السياسي الفلسطيني ، بل باعتبارها صيغة “ناجحة” لإدارة السكان تحت السيطرة وتدوير الأحتلال ، خارج معادلة التحرر الوطني . والأخطر أن هذا الطرح يجد استعداداً للتجاوب معه في بعض الأوساط الفلسطينية ، تحت ضغط الفشل المتراكم المسمى بالتقرير "مؤشرات الإنسداد البنيوي" ، أو بدافع الحفاظ على مواقع ونفوذ جزئي لتمرير مصالحها .
الأزمة الفلسطينية الراهنة هي أزمة نظام سياسي لم يُجدد رغم الدعوات الوطنية المتعددة ، ولم يُحاسَب ، ولم يُطور ، لكنها في الوقت نفسه ليست مبرراً لتسليم القرار الوطني إلى الخارج . فالبديل عن الفشل ليس الوصاية ، والبديل عن ضعف الشرعية ليس تجاوزها ، بل استعادتها من خلال الشعب بشكل عاجل بوصفه مصدر السلطات والشرعية الوحيد .
الضفة الغربية ، التي يُروج لاستقرارها ، تعيش في واقع الأمر استقراراً إدارياً هشاً ، قائماً على شبكة مصالح وترتيبات أمنية ومراكز نفوذ ، لا على قبول شعبي متجدد . وأي محاولة لفرض إطار بديل مدعوم خارجياً ، ستؤدي إلى تعميق الفجوة بين مجتمعنا والنظام السياسي ، وتفريغ المشروع الوطني من مضمونه التحرري .
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القيادة الفلسطينية اليوم ليس فقدان المناصب ، بل البقاء فيها مع فقدان القرار ، اي أن تتحول إلى شاهد على نقل الصلاحيات من يدها إلى أطر موازية ، بينما يُطلب منها توفير الغطاء السياسي فقط . ففي الحسابات الأمريكية ، الجهة التي يمكن تجاوزها بلا كلفة ليست شريكاً في المستقبل .
من هنا ، فإن لحظة العمل الفلسطيني لم تعد مؤجلة ، المطلوب ليس شعارات ولا مواجهات عبثية ، بل إطلاق مسار سياسي وطني عقلاني منظم لا يستند الى "الواقعية السياسية المُفرغة" ، بل إلى الإرادة المستقلة والقانون الأساسي ووثيقة إعلان الإستقلال ، ويهدف إلى تجديد الشرعيات ، وبناء منظومة مساءلة حقيقية وفصل واضح للسلطات ، وإعادة الاعتبار للسياسة بوصفها تعبيراً عن المشاركة والإرادة الشعبية ، لا مجرد إدارة للأزمات .
وفي قلب هذا المشهد ، لا يمكن تجاهل مسؤولية القوى المركزية في نظامنا السياسي الفلسطيني ، فحركة "فتح" ، التي قادت المشروع الوطني لعقود إلى جانب مكونات حركتنا الوطنية ، تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي ، فإما أن تبادر إلى مراجعة نقدية صريحة وإصلاح سياسي حقيقي وشجاع يعيد الإعتبار لهويتها كحركة تحرر وطني ، وللشرعية الوطنية الديمقراطية ، ولجوهر المضمون التحرري للقضية الفلسطينية ، أو أن تجد نفسها كحركة وقائد لمنظمة التحرير ، وهي في مواقعها ، وقد جرى تجاوزها فعلياً . فهل هنالك من يَسمع صوت الجرس الأخير ويبادر الى ما هو مطلوب لحماية تراثنا وحاضرنا ومستقبلنا الوطني لاستعادة حقوقنا السياسية أساسا وإنهاء الأحتلال أولاً ؟
بالنهاية وتوضيحاً لما أُثير من نقاش حول المقال والخبر المنشور حول التقرير في وسائل اعلام مختلفة ، فإن ما ورد في مقالي يستند إلى تقارير بحثية وتحليلية وإلى سياق سياسي متكامل ، لا إلى وثيقة واحدة أو الى المصدر المشار اليه فقط . فالنقاش الحقيقي ليس في اسم المعهد أو الجهة البحثية ، بل في الاتجاهات الخطيرة التي يجري تداولها علناً داخل دوائر القرار الأمريكية حول مستقبل القرار الوطني الفلسطيني . وحتى لو اختلف البعض حول تقرير بعينه ، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً ، هل يختلف أحد على وجود محاولات فعلية لتجاوز السياسة الفلسطينية بصيغ إدارية ، وفرض وصاية خارجية تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه التحرري ؟ إن التشكيك بالمصدر دون مواجهة الفكرة ليس إلا هروباً من السؤال الأصعب وهو ، إلى أين تتجه الاملاءات لنقل القرار الوطني المستقل بصمت بضغوطات أمريكية وإقليمية ؟ وكيف ابتدات مع تشكيل ما يسمى بلجنة التكنوقراط في غزة بمرجعيتها المعروفة "لمجلس السلام" الذي يرأسه ترامب .