"مجلس السلام": بين إدارة الأزمة وتكريس الوصاية على غزة
مع الإعلان الأميركي عن تشكيل ما يُعرف بـ"مجلس السلام" لإدارة شؤون قطاع غزة، تدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة، تتجاوز حدود ما هو سياسي إلى ما هو بنيوي في طبيعة الصراع ذاته. فالمشروع، كما تطرحه واشنطن، لا يبدو مجرد مبادرة إنسانية أو إطاراً مؤقتاً لإعادة الإعمار، بل خطوة تحمل في جوهرها تحوّلاً استراتيجياً في إدارة الملف الفلسطيني، وتحديداً في قطاع غزة، بما يعيد إنتاج أنماط الوصاية القديمة في ثوبٍ جديد.
منذ اللحظة الأولى، حمل الإعلان مؤشرات خطيرة على المستويين الدولي والفلسطيني. فهو، من جهة، يُهمّش دور مجلس الأمن والأمم المتحدة، منتزعاً عملياً صلاحياتهما المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، ليمنحها للرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاريه. ومن جهة أخرى، ينقل القرار المتعلق بمستقبل غزة من أيدي الفلسطينيين إلى دوائر القرار الأميركي، دون أي تفويض وطني أو شرعية سياسية محلية أو عربية.
انتقاصاً من الحق الفلسطيني واغتيالاً للإرادة الوطنية
التركيبة المعلنة للمجلس والمستشارين المحيطين بترمب تكشف عن ميلٍ واضح نحو الرواية الإسرائيلية. فوجود شخصيات ترتبط ارتباطاً وثيقاً باللوبي الصهيوني والحكومة الإسرائيلية، يجعل من الصعب الحديث عن حيادٍ أو توازنٍ في مقاربة الملفات السياسية والأمنية. وبهذا، يصبح القرار المتعلق بغزة مرتهناً بالكامل للإدارة الأميركية، ما يعني عملياً انتقاصاً من الحق الفلسطيني واغتيالاً للإرادة الوطنية.
هذا الوضع يُنذر بتحويل غزة إلى ساحة تجريبٍ لسياسات دولية جديدة، تُفرّغ المشروع الوطني من مضمونه، وتكرّس واقع الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فبينما تبقى الضفة تحت المظلّة السياسية لمنظمة التحرير، تُنقل مرجعية غزة إلى مجلس السلام، ما يُعيد إلى الأذهان صور الانتداب والوصاية بصيغة معاصرة.
هندسة جديدة للسلطة
في صميم هذه المقاربة، تبرز ما تُسمّى "اللجنة التكنوقراطية الإدارية"، التي يُفترض أن تتولى إدارة شؤون القطاع تحت إشراف مباشر من المجلس التنفيذي برئاسة نيكولاي ميلادينوف. هذه اللجنة، وفق التصور الأميركي، ليست سوى حلقة وصل بين المجلس وواقع غزة الداخلي، ما يعني أنها إدارة فوق وطنية لا تستند إلى إرادة فلسطينية جامعة، بل إلى رؤية مفروضة من الخارج.
الأخطر أن الإعلان تضمّن تعيين جنرال أميركي خدم في العراق وسوريا لقيادة قوات دولية "للاستقرار" في غزة. وهو ما يكشف الجوهر الأمني للمشروع: نزع سلاح المقاومة تحت غطاء دولي. ما فشلت إسرائيل في تحقيقه عسكرياً تحاول واشنطن فرضه سياسياً، في إطار مقايضة تقوم على "الأمن مقابل الإعمار".
الخيارات والسيناريوهات
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رصد سيناريوهين رئيسيين. الأول، سيناريو الفشل والانفجار، في حال أصرّ مجلس السلام على تبنّي الرواية الإسرائيلية والسعي إلى نزع السلاح بالقوة، ما قد يقود إلى مواجهة مباشرة بين القوات الدولية والفصائل المسلحة، ويعيد القطاع إلى مربع الصراع.
أما السيناريو الثاني، فهو إدارة الأزمة لا حلّها، عبر تهدئة مؤقتة وإعادة إعمار محدودة وتأجيل ملف السلاح، بما يخلق حالة "هدوء قبل العاصفة"، من دون أي أفق سياسي حقيقي.
الفرص المحدودة والمخاطر الكبرى
قد تفتح هذه المبادرة، شكلياً، نافذة محدودة لتخفيف المعاناة الإنسانية والانفتاح الاقتصادي، شرط أن تُرفع القيود الإسرائيلية ويُفتح المجال أمام إعادة الإعمار. لكنها تظل رهينة الإرادة الإسرائيلية أولاً، والقرار الأميركي ثانياً. وفي المقابل، تتعمّق المخاطر الجوهرية: أزمة الشرعية، والتحكم الخارجي في القرار الفلسطيني، وغياب أي إطار ينظّم العلاقة بين مجلس السلام والمؤسسات الفلسطينية الرسمية والفصائل. أما الحديث عن دولة فلسطينية على حدود 1967، فقد خرج عملياً من التداول، لصالح مقاربة جزئية تحصر النقاش في غزة فقط.
تجميد الصراع لا حله
في المحصلة، يبدو أن "مجلس السلام" مرشّح لأن يتحوّل إلى أداة لتجميد الصراع لا لإنهائه. فهو مشروع يكرّس الانقسام، ويُفرغ المسار الوطني من محتواه، ويُعيد إنتاج السيطرة من خلال أدوات دولية جديدة.
وفي غياب رؤية فلسطينية موحّدة قادرة على ملء الفراغ، قد يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مرحلة وصاية جديدة، تُدار فيها غزة بقرارات تصدر من واشنطن لا من رام الله، فيما يظل الصراع الحقيقي مؤجلاً — إلى حين الانفجار القادم.