النكد الإسرائيلي المعتاد

2026-01-19 09:11:10

لم يتأخر الإسرائيليون كثيراً في وضع العراقيل وابتزاز الأطراف جميعاً، فما أن أعلنت الإدارة الأمريكية عن تشكيل المجالس الثلاثة، حتى بدأت إسرائيل في المشاغبة والاعتراض، وليس ذلك تعبيراً عن سباق انتخابي أو تسجيل مواقف داخلية فقط، بل هو موقف مبدئي بإفراغ المرحلة الثانية من مضمونها، وعلى الرغم من معرفة الحكومة الإسرائيلية أن كل الترتيبات تصب في صالحها بشكل عام، إلا أنها تُصر على أن تطبّق المرحلة الثانية بشروطها ومعاييرها ومزاجها أيضاً، بكلمات أخرى، فإن مجلس السلام واللجنة الوسيطة واللجنة الوطنية لإدارة غزة، ما هي إلا ترتيبات يفرضها القوي على الضعيف، وتهدف في نهاية الأمر إلى تحقيق الهدوء وليس السلام.

إلا أن إسرائيل تعترض على مشاركة أطراف عربية وإقليمية ومن ثم تعترض على اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، رغم أنها لا تمثّل حركة حماس أو السلطة الوطنية – حسب طلبها أصلاً – وتُصر على أن الخطوة الأولى لتطبيق المرحلة الثانية هي نزع سلاح حماس، وهي تلوّح منذ الآن بأنها على استعداد لفعل ذلك، أي أنها تهدد بالعودة إلى الحرب مرّة أخرى، مدعومة هذه المرّة بغطاء دولي واجماع إقليمي، وليس هذا فقط، بل هي ترهن الدخول إلى المرحلة الثانية باستعادة جثة قتيل إسرائيلي من تحت سبعين مليون طن من الركام، وعلى الرغم من أن إسرائيل تحقق كثيراً من المكاسب الأمنية والاستراتيجية جراء تطبيق القرار الدولي، إلا أنها لا ترى أن ذلك يحقق لها النصر المطلق الذي تحلم به.

القرار الدولي لا يدين إسرائيل ولا يعاقبها ولا يحاسبها ولا يلزمها بدفع استحقاقات كبيرة، بالعكس من ذلك كله، فهو يكسر عنها الحصار ويعيد إليها ما تريده من تجريد غزة من السلاح ومن الالتزام بالقرارات الدولية وحل الدولتين، ويوسّع اتفاقات سياسية تطبيعية مع الإقليم وغيره، ولكن إسرائيل رغم ذلك كله تريد أن تفرض شروطها ورؤيتها لطبيعة المرحلة والمشاركين فيها، وتستعد للحرب بعد ذلك كله.

ما معنى ذلك؟ معناه برأيي أن إسرائيل لا ترى نفسها مجبرة على تطبيق القرار الدولي بحذافيره، ومعناه أن إسرائيل لا تتعرّض لضغوط خارجية قوية، ومعناه أن إسرائيل ترى في السلام الداخلي أهم من سلامها مع العالم كله، ومعناه أن الولايات المتحدة تتبادل مع إسرائيل الأدوار، ومعناه أن إسرائيل غير مستعدة لأية تسوية مع الشعب الفلسطيني، ومعناه أن إسرائيل تريد أن تحوّل القرار الدولي المتعلق بغزة إلى فرصة للاحتلال والاستثمار، أكان ذلك بالسيطرة الكاملة والطرد الجماعي، أم بالسيطرة الجزئية وتقسيم القطاع وفصله عن الضفة الغربية، معناه أن إسرائيل تغيرت

– وربما إلى الأبد – من حيث سياساتها في المنطقة كلها، وربما كان يشجعها على ذلك ما تفرضه الإدارة الأمريكية من إقامة نظام دولي بديل وهيئة عالمية جديدة تحل محل الأمم المتحدة التي تتهمها الإدارة الأمريكية بالفشل والعجز.

ويبدو لي أن الإدارة الأمريكية مدفوعة بجماعات الضغط الصهيونية وغيرها تهدف إلى سحب البساط من تحت الأمم المتحدة التي تتخذ عادة مواقف ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية، بالإضافة إلى أنها تشكل درعاً أخلاقياً وقانونياً لمغامرات الإدارة الأمريكية المختلفة، إن ما تقترحه الإدارة الأمريكية الآن من خلال مجلس السلام ليكون نموذجاً لحل النزاعات العالمية بمرجعيات أمريكية فقط، إنما هو تشريع للعدوان والتوسع وفرض أنصاف الحلول أو الحلول التي تحقق الربح والفائدة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

إن هذا يعني، بشكل أو بآخر، أن إسرائيل تستخدم هذا المفهوم من أجل فرض الأمر الواقع بالقوة، فمجلس السلام الذي من المفترض أن يقوم بمهمة الإشراف والرقابة والتوجيه، لا مرجعية له سوى الإدارة الأمريكية الحالية، ولا قانون له سوى قانون الربح، ولا أدوات له سوى القوة.

لهذا كله، فإن الحفاظ على زخم المرحلة الثانية – التي نقبلها بسبب الضرورة والواقعية السياسية الكريهة – لا يمكن لها أن تتم دون دور فاعل للأشقاء والإخوة العرب والمسلمين، لأن من الممكن أن تنحرف البوصلة إلى ما لا نرغب، ومن الممكن جداً أن تفرض إسرائيل كل شروطها ونكدها، والمطلوب حقاً هو تدخل حاسم وضغط فاعل من الضامنين والوسطاء، ورقابة دائمة ويقظة على خطوات التنفيذ، نحن أمام مرحلة صعبة ومعقدة نملك فيها أوراقاً وأدوات ضغط حقيقية.

لا لإبعاد الفلسطينيين عن المشاركة في القرار، ولا للوصاية الدولية، ولا للاحتلال المقنّع، ولا لدمج إسرائيل في المنطقة مجاناً، هذه أهداف ضرورية تقطع الطريق على إسرائيل ومن يدعمها في الإقليم كله.