لجنة وطنية… أم لجان روابط مدن وقرى بغطاء وطني؟

2026-01-15 17:54:34

غزة نموذج اختبار… والضفة على الطريق

 لنكن صريحين مع شعبنا منذ السطر الأول.

ما يجري اليوم ليس نقاشًا تنظيميًا عابرًا، ولا اجتهادًا في البحث عن صيغ إدارة مؤقتة، بل مسار سياسي خطير يُعاد إنتاجه بهدوء: غزة نموذج اختبار… والضفة على الطريق.

السؤال المطروح  هو . لجنة وطنية أم لجان روابط مدن وقرى بغطاء وطني لا يتعلّق بالأسماء ولا بالأشكال، بل بجوهر التمثيل السياسي الفلسطيني وبمصير الكينونة الوطنية ذاتها؟ وهو سؤال لم ينشأ فجأة، بل وُلد من رحم انقسام وطني طويل، وفراغ سياسي مُتعمد، وصمت فصائلي مريب، فتح الباب أمام أطر “مسموح بها” خارجيًا، ومحدودة السقف وطنيًا.

في هذه اللحظة بالذات، يصبح الصمت تواطؤًا، والدعم الخجول تفريطًا. فالسؤال موجّه، أولًا وأخيرًا، إلى فصائل العمل الوطني التي اختارت، حتى الآن، إمّا الصمت المريب، أو دعم هذه الأطر بخجل لا يرقى إلى موقف سياسي واضح.

هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر للانقسام الوطني الذي دمّر وحدة الحياة السياسية الفلسطينية، وجرّدها من قدرتها على إنتاج قرار موحّد، وفتح الباب أمام تعدّد الأطر وتنازع المرجعيات. فالانقسام لم يكتفِ بتقسيم الجغرافيا والمؤسسات، بل كسر وحدة التمثيل، وأضعف الثقة، وترك الشارع بلا عنوان سياسي جامع.

اللجنة الوطنية، بمعناها الحقيقي، ليست جسمًا إسعافيًا لإدارة الفراغ، ولا منصة مؤقتة لامتصاص الغضب، بل إطار سياسي جامع يستند إلى برنامج واضح، ومرجعية معترف بها، وتفويض وطني صريح. لجنة كهذه لا تُولد من رحم الانقسام، ولا تُدار بالنيات الحسنة، بل تقوم على الشراكة السياسية والمساءلة والوضوح، وتتحرّك تحت سقف المشروع الوطني الذي شكّلته تاريخيًا منظمة التحرير الفلسطينية، أو أي إطار وطني توافقي يُعاد بناؤه بإرادة جماعية حقيقية، هدفها إنهاء الانقسام لا التكيّف معه.

في المقابل، فإن تحويل لجان المدن والقرى
مهما كانت دوافعها صادقة إلى واجهة “وطنية” بديلة، هو مسار بالغ الخطورة، لأنه يتغذّى على الانقسام بدل أن يعالجه. الخطر لا يكمن في العمل الأهلي أو المبادرات المجتمعية، بل في تحميلها دورًا سياسيًا لم تُفوَّض به. عندها تتحول هذه اللجان من أدوات صمود إلى أدوات إدارة، ومن مساحات دعم إلى بدائل سياسية ناعمة، تُجزّئ القرار، وتُشرعن واقع الانقسام، وتُفرغ الفعل الوطني من مضمونه التحرري.

ولا يمكن القفز فوق حقيقة أساسية، مهما حاول البعض تجاهلها أو تمييعها:
فإن هذه اللجنة لم تأتِ من فراغ سياسي فقط، بل جاءت بعد موافقة وفحص إسرائيليين دقيقين، صيغت على المقاس، وبمباركة أمريكية واضحة، في لحظة فلسطينية هي الأضعف سياسيًا منذ عقود.

لقد وُلد هذا الإطار في سياق ميزان قوى مختلّ، حيث تتحكّم إسرائيل بسقف الممكن والمسموح، وتمنح الضوء الأخضر لما لا يهدّد جوهر سيطرتها، بينما توفّر الولايات المتحدة الأمريكية الغطاء السياسي والدولي لهذا المسار، تحت عناوين “الاستقرار” و“إدارة المرحلة” و“منع الانفجار”.

أما الطرف الفلسطيني، فوجد نفسه متفرّجًا لا يملك حولًا ولا قوة، بلا وحدة داخلية، ولا قرار مستقل، ولا قدرة على فرض بديل وطني حقيقي. هكذا يصبح القبول أمرًا واقعًا، لا خيارًا سياديًا، ويُسوَّق الإطار المفروض باعتباره حلًا أو إنجازًا، فيما هو في الحقيقة نتاج مباشر للعجز والانقسام وفقدان الإرادة السياسية.

وهنا تتكشّف الصورة الأخطر:
ما يجري ليس استثناءً ولا حلًا مؤقتًا، بل يبدو بوضوح نموذج اختبار جرى تطبيقه أولًا في قطاع غزة، ويجري اليوم التحضير **لتعميمه على الضفة الغربية بصيغ مختلفة وأدوات متدرجة. نموذج يقوم على تفريغ السياسة من مضمونها، واستبدال الكيانية الوطنية بأطر إدارية محلية، تُدار تحت سقف أمني واقتصادي مضبوط، لا يلامس جوهر الصراع ولا يهدد معادلات السيطرة.

الهدف من هذا النموذج واضح: إنهاء أي كينونة وطنية سياسية فلسطينية جامعة، وتحويل القضية من مشروع تحرري إلى ملف “إدارة سكان”، ومن صراع سياسي إلى مسألة خدمات ومعابر ورواتب. ليس المطلوب شريكًا سياسيًا، بل طرفًا منزوع الإرادة، يُفرض عليه الالتزام بسقف سياسي محدد سلفًا، ويُدفع إلى ضبط المجتمع بدل تمثيله، وإدارة الواقع بدل تغييره.

بهذا المعنى، فإن اللجنة المطروحة ليست حلًا لأزمة فلسطينية داخلية، بل أداة ضمن مسار أوسع يستهدف الإجهاز على ما تبقّى من النظام السياسي الفلسطيني، وتفكيك وحدته، وضرب قدرته على إنتاج قرار مستقل. وهو مسار لا يبدأ بلجنة، ولا ينتهي بها، بل يُراكم خطوات صغيرة تؤدي في مجموعها إلى إلغاء السياسة الفلسطينية من الأساس.

فالشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى مجاملات سياسية، ولا إلى مواقف رمادية، ولا إلى حلول جزئية تُدار تحت سقف الانقسام وموازين القوى المفروضة.
يحتاج إلى وضوح سياسي شجاع:
هل نحن أمام لجنة وطنية حقيقية، سياسية جامعة، ببرنامج ومرجعية وتمثيل؟
أم أمام لجان محلية تُدار كحل مؤقت لفراغ دائم، صُنع بالانقسام ويُستكمل اليوم بمشاريع مُجازة خارجيًا؟

الصمت في هذه اللحظة ليس تعقّلًا، بل تهرّب من الإجابة.
والدعم الخجول ليس توافقًا، بل تنصّل من تحمّل الكلفة السياسية للموقف.

الخلاصة التي لا يجوز الالتفاف عليها واضحة:
نعم، لقيادة وطنية حقيقية، سياسية، جامعة، خاضعة للمساءلة والمحاسبة، ومرتبطة بمشروع تحرري وطني فلسطيني واضح، يعمل على استعادة القرار الوطني وإنهاء الانقسام لا الالتفاف عليه.
ولا، لتحويل لجان المدن والقرى إلى بديل عن التمثيل الوطني، مهما اشتدّ الفراغ وتعاظمت الضغوط.

ولنكن واضحين مع شعبنا:
إمّا موقف صريح تتحمّله الفصائل علنًا،
أو صمت يُسجَّل عليها تاريخيًا،
فهذا ليس تفصيلًا إداريًا، بل سؤال الشرعية، والوحدة، والهوية، والمستقبل.