ما هي «مكابح الدافع» في الدماغ؟ ولماذا تعيق قبول بعض المهام؟

2026-01-15 10:56:25

كثيرون يعرفون هذا الشعور جيدًا: مهمة ضرورية لكنها مزعجة، مكالمة مؤجلة، تقرير يخشى صاحبه النقد، أو عرض تقديمي يسبب التوتر لمجرد التفكير فيه. ورغم إدراك ما يجب فعله، يبدو اتخاذ الخطوة الأولى أمرًا بالغ الصعوبة.

وقدمت دراسة جديدة من جامعة كيوتو اليابانية تفسيرًا عصبيًا لهذا الإحساس الشائع، كاشفة عن وجود مسار في الدماغ يعمل كـ"مكبح للدافع"، يمنع البدء في المهام التي ترتبط بالتوتر أو العقاب، حتى لو كان هناك مكافأة في المقابل.

وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Current Biology، فإن هذا الخلل في البدء بالفعل يُعرف طبيًا باسم "فقدان المبادرة" (Avolition)، وهو عرض شائع في حالات مثل الاكتئاب، والفصام، ومرض باركنسون، حيث لا يكون الشخص كسولًا أو غافلًا، بل يعجز دماغه عن الضغط على "زر الانطلاق".

واعتمد الباحثون على قرود المكاك، التي دُرّبت على تنفيذ نوعين من المهام، الأولى تمنح مكافأة فقط، والثانية تمنح المكافأة نفسها لكنها تترافق مع تجربة غير مريحة، تمثلت في نفخة هواء مزعجة على الوجه.

وأظهرت النتائج أن القردة كانت تبادر بسهولة في المهام ذات المكافأة الخالصة، لكنها تتردد في البدء عندما ارتبطت المكافأة بعنصر غير سار، رغم إدراكها لقيمتها.

عندها لجأ الفريق البحثي إلى تقنية متقدمة تُعرف بـ"الهندسة الكيميائية الوراثية"، لتعطيل مسار عصبي محدد يربط بين منطقتين في الدماغ هما الجسم المخطط البطني (Ventral Striatum) والشاحبة البطنية (Ventral Pallidum)، وهما منطقتان معروفتان بدورهما في التحفيز واتخاذ القرار.

واللافت أن تعطيل هذا المسار لم يؤثر على سلوك القردة في المهام السهلة، لكنه في المهام المزعجة أعاد القدرة على البدء بالفعل. وبحسب الباحثين، فإن القردة لم تُغيّر تقييمها للمكافأة أو العقوبة، بل تغيّر فقط ما بين "المعرفة" و"التنفيذ".

وأظهرت القياسات العصبية أن نشاط الجسم المخطط البطني ارتفع في المواقف الضاغطة، ما يشير إلى دوره في تسجيل الشعور بالتوتر، بينما انخفض نشاط الشاحبة البطنية تدريجيًا مع تراجع الرغبة في البدء. وهذا يؤكد أن المسار بين المنطقتين يعمل كمكبح يمنع الانطلاق عند ارتفاع الكلفة النفسية.

دلالات علاجية وحدود أخلاقية

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم وعلاج اضطرابات فقدان الدافع، عبر تقنيات مثل التحفيز العميق للدماغ أو العلاجات الدوائية المستقبلية. إلا أنهم يحذرون في الوقت نفسه من الإفراط في "إرخاء المكابح".

وقال الباحث الرئيسي كين-إيتشي أميموري إن "إضعاف مكبح الدافع أكثر من اللازم قد يؤدي إلى سلوكيات خطرة أو اندفاع مفرط"، مشددًا على ضرورة النقاش الأخلاقي قبل أي تطبيق علاجي.

وتخلص الدراسة إلى أن صعوبة البدء ليست مسألة إرادة ضعيفة، بل آلية دماغية تهدف إلى حمايتنا من الضغط الزائد. وفي زمن ترتفع فيه معدلات الإرهاق والاحتراق النفسي، يدعو الباحثون إلى إعادة التفكير في مفهوم التحفيز، والتركيز على تقليل مصادر التوتر بدل لوم الأفراد على قلة الحماس.