إيران وتخبط اللاعبين فيها ومن حولها
حين بدأ الحراك الشعبي المطلبي في إيران، وكان محدوداً للغاية من حيث عدد المشاركين، والانتشار الجغرافي، وذلك بالقياس مع ما وصلت إليه الحالة هذه الأيام، تفاوتت التقويمات بين من اعتبرها موجة احتجاجٍ جديدة، كتلك الموجات الكثيرة التي كانت تندلع وتقمع، وبين من رأى فيها أرضاً خصبةً لاستثمار في مسألة إسقاط النظام أو إرغامه على تغيير سياساته.
لم يفلح النظام الإيراني الحاكم في احتواء الحراك، ووضعه تحت السيطرة، رغم الوعود اللغوية المرنة التي قدّمها الرئيس بزشكيان، كما لم تفلح عمليات القمع الشرس وتبرير النظام لها في إقناع العالم بأن المتظاهرين ينقسمون إلى فئتين، فئةٍ عميلةٍ هدفها تخريب البلد ويحق عليها القتل، وفئةٍ عاقلةٍ ولكنها مضللة أو تناضل فعلاً من أجل تحسين أوضاعها المعيشية، وبفعل هذا التصنيف وعدت الجماهير بدعمٍ ماليٍ عاجل، ولكنه بمستوىً لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
وفي مواجهة هذا الحراك وتفاعلاته الداخلية والخارجية، ارتبك النظام إذ ارتفع منسوب الدم، وحيال ذلك لابد وأن يرتبك الحراك بفعل عشوائيته وانعدام قيادةٍ مركزيةٍ له، وكذلك تقاطع الاجندات من داخله ومن حوله. وارتبك المحيط الإقليمي والدولي القريب والبعيد بفعل عدم اتضاح وسائل المعالجة الأمريكية.
أمريكا لا يخفى على المتابعين لسياستها تجاه ما يجري من خلال تصريحات الرئيس ترمب وقادة الصف الأول فيها، بأنها لم تجد بعد الوسيلة لتدخلٍ حاسم يكثر الرئيس ترمب من الحديث عنه، وإذا كانت هنالك من خططٍ للتدخل العسكري يجري بحثها أو الإعداد لتنفيذها، فلا تعرف أمريكا كيف سيكون الحال في إيران بعد تنفيذ ضربتها العسكرية، إذا أن أقوى الاحتمالات منطقيةً أن تسود حالةٌ من الفوضى لا يعاني منها الشعب الإيراني وحده بل دول الجوار التي تنصح أمريكا بالتريث وعدم اللجوء إلى الخيار العسكري، انطلاقاً من مخاوفها المحقة لما سيحدث من ردود أفعالٍ إيرانية وغيرها.
إسرائيل التي لم تتوقف عن تحريض أمريكا بالعمل المباشر لإسقاط النظام وتدمير ما لديه من قدراتٍ عسكريةٍ وبنىً تحتية، غيرت لهجتها حتى أن وزير جيشها أعلن أن ما يجري في إيران هو شأنٌ داخلي وأن إسرائيل ستدافع عن نفسها إذا ما قامت إيران بالاعتداء عليها.
وهذا أثار تساؤلاً... هل هو تمويهٌ على فعل شيءٍ أم تقديرٌ موضوعي للفعل ورد الفعل؟
في عهد ترمب ومزاجه وتقلباته، ازداد العالم ارتباكاً حيال ما يجري في إيران بل وفي غير إيران، وللحقيقة لم يحدث في التاريخ المعاصر أن صار الارتباك والقلق والخوف من المفاجآت يهيمن على العالم كله بل هو الثابت الوحيد والمرئي في العلاقات الدولية على كل مستوياتها.