"ما لزوم الفقراء في الدنيا؟"

2026-01-11 12:41:35

في أحد أكثر مشاهد السينما العربية قسوة وصدقاً، وفي حوار يبدو عابراً لكنه يفضح ما تحرص السياسة والاقتصاد على إخفائه، يقول الفنان يوسف شعبان للفنانة نبيلة عبيد في فيلم "كشف المستور" إنتاج عام 1994، في إجابته على سؤالها " لزومهم إية الفقراء في الدنيا" ، ليجيبها "عشان يدوا أصواتهم للأغنياء". هذه الجملة، رغم أنها خرجت في سياق درامي، إلا أنها أقرب إلى اعتراف طبقي صريح، اعتراف لا يقوله الساسة علناً، لكنه يمارس يومياً ببرود شديد. ليست الجملة مجرد توصيف لعملية انتخابية، بل تشريح مكثف لعلاقة غير متكافئة بين الفقر والسلطة والثروة ، علاقة حولت الفقر من وضع اجتماعي مؤلم إلى وظيفة سياسية متكاملة الأركان، يعاد إنتاجها جيلاً بعد جيل.

من هنا، لا يعود سؤال "ما لزوم الفقراء في الدنيا؟"-وأنا أنتمي لهم طبقياً- سؤالاً وجودياً عاطفياً، ولا تساؤلاً أخلاقياً مجرداً، بل يتحول إلى سؤال معرفي صادم ، يمس جوهر النظام الاجتماعي والسياسي. إنه سؤال عن الدور الذي يراد للفقراء أن يؤدوه ، لا الدور الذي يختارونه لأنفسهم. سؤال عن موقعهم في معادلة السلطة، وعن السبب الذي يجعل العالم، حتى اليوم، عاجزاً أو غير راغب في إنهاء الفقر، رغم وفرة الثروة والمعرفة.

من منظور علم الاجتماع ، الفقر ليس مجرد غياب للدخل أو نقص في الموارد ، بل هو موقع داخل بنية اجتماعية غير عادلة ، موقع يصمم بعناية ليبقى قائماً. الفقراء ليسوا خارج النظام كما يروج أحياناً، بل هم في صميمه. هم مادته الخام، وقاعدته الواسعة، وشرطه الضروري للاستمرار. المجتمع الطبقي لا يعيش فقط على وجود قلة تملك، بل على وجود أغلبية لا تملك سوى قدرتها على العمل والطاعة والانتظار. الفقير يبيع قوة عمله، يتحمل المخاطر، ويعيش الهشاشة، كي تتراكم الثروة في مكان آخر. وبهذا المعنى، يصبح الفقر وظيفة اجتماعية غير معلنة، لكنه أساسي.

هذه الوظيفة لا تختزل في موسم الانتخابات، رغم أن صناديق الاقتراع تكشفها بوضوح فاضح. أصوات الفقراء تعامل كأرقام قابلة للتوجيه، تشترى بالخطاب العاطفي، أو بالخوف، أو بوعود لا تتحقق. لكن الأخطر أن الدور المطلوب من الفقراء لا ينتهي عند التصويت، بل يمتد إلى ما هو أعمق، حماية البنية الاقتصادية التي تبقيهم فقراء، والدفاع عن نظام لا يمنحهم إلا الحد الأدنى من البقاء.

في علم السياسة، تظهر هذه العلاقة بجلاء أكبر. الدولة الحديثة، خصوصاً في نماذجها السلطوية أو الهجينة، لا تبحث فقط عن شرعية قانونية، بل عن استقرار اجتماعي قسري. الفقراء هنا يتحولون إلى قوة ضبط ، إلى صمام أمان يمنع الانفجار، لا لأنهم راضون ، بل لأنهم محاصرون بالحاجة. الأغنياء لا يريدون من الفقراء مجرد أصوات ، بل يريدون أجساداً تحرس، وأيدي تضبط، وظهوراً تتحمل كلفة الاستقرار. يريدون حماية ممتلكاتهم، شركاتهم، احتكاراتهم، أنماط حياتهم المعزولة، وهذه الحماية لا تُؤمَّن بالشعارات، بل بالمؤسسات الصلبة المدنية والعسكرية والأمنية والقضائية.

ليس من قبيل المصادفة أن تكون الجيوش وأجهزة الشرطة والأمن، في معظم دول العالم، مكونة في غالبيتها الساحقة من أبناء الفقراء. هؤلاء لا يدخلون هذه المؤسسات فقط بدافع الوطنية المجردة، بل لأن البدائل شحيحة. الوظيفة العسكرية أو الأمنية تقدم لهم ما لا يقدمه الاقتصاد المدني، راتب ثابت، مكانة اجتماعية، وشعوراً نسبياً بالقوة بعد سنوات من الهشاشة. في المقابل، يطلب منهم أن يكونوا الدرع الذي يحمي النظام، والسور الذي يمنع اقتراب الغاضبين من مراكز الثروة.

سياسياً، لا يمكن فهم موقع الفقراء إلا بوصفه أحد أعمدة الحكم، لا أحد نتائجه العرضية. الفقر، في كثير من الأنظمة، ليس فشلاً في السياسات العامة، بل جزء مقصود من تصميمها. فالدولة التي تنجح في إخراج مواطنيها من الحاجة، تنتج مواطنين أحراراً، والأحرار يصعب حكمهم بالترهيب أو الابتزاز. لهذا، تدار المجتمعات لا لتقليص الفقر جذرياً، بل لضبطه ضمن مستويات "آمنة سياسياً، لا تُفجّر النظام ولا تحرره من أدوات السيطرة.

في الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية، يعاد تعريف السياسة ذاتها بوصفها فن إدارة الفقراء لا تمكينهم. تمنحهم الدولة فتات الخدمات، وتبقيهم على حافة العوز، بحيث يصبح الخوف من السقوط الكامل أقوى من الرغبة في التغيير. هنا يتحول الفقير إلى كائن سياسي منزوع الإرادة، يطلب منه أن يختار بين الأسوأ والأسوأ، لا بين بدائل حقيقية. الديمقراطية، في هذا السياق، لا تلغى رسمياً، بل تفرغ من مضمونها الاجتماعي.

الأخطر أن الفقر يستخدم كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية. حين تصعد النخب الحاكمة إلى السلطة، لا تفعل ذلك فقط عبر القوانين أو الدساتير، بل عبر بناء تحالفات اجتماعية غير متكافئة، يكون الفقراء فيها الطرف الأضعف. تستخدم لغة "الاستقرار"، و"الأمن"، و"الحفاظ على الدولة"، لتبرير استمرار الفجوة الطبقية، وكأن العدالة الاجتماعية تهديد للنظام، لا شرط لبقائه.

النظام الحاكم ، لا يريد فقراء غاضبين، لكنه لا يريدهم متحررين أيضاً. يريدهم مطيعين، مشغولين بلقمة العيش، خائفين من فقدان الوظيفة أو الامتياز البسيط. لذلك، يُدفع أبناء الفقراء إلى مواقع حساسة في أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية في أحيان كثيرة في الجيش، الشرطة، الأمن. ليس لأنهم الأكثر كفاءة، بل لأن ولاءهم يمكن التحكم به عبر الراتب والترقية والرمزية الوطنية. يصبح الانتماء للمؤسسة الأمنية بديلاً عن الانتماء الطبقي، وأحياناً بديلاً عن الوعي السياسي.

وهنا، تتجلى إحدى أكثر آليات الحكم قسوة، تحويل الفقراء إلى حماة للنظام الذي يُنتج فقرهم. تعاد صياغة وعيهم السياسي بحيث يرون في الاحتجاج تهديداً للأمن، وفي المطالبة بالعدالة فوضى، وفي الدفاع عن النظام دفاعاً عن الدولة ذاتها. هذه ليست صدفة، بل نتيجة عمل طويل على المناهج، الإعلام، الخطاب الديني، والثقافة العامة.

في الأنظمة التي تحكمها تحالفات المال والسلطة، يصبح الفقير مادة سياسية قابلة للتشكيل. يُستدعى وقت الانتخابات، ويستبعد في وقت اتخاذ القرار. يستخدم اسمه في الخطاب، ويغيب صوته في السياسات. تسن القوانين باسمه، لكنها لا تصله. ترفع شعارات "العدالة الاجتماعية"، بينما تصاغ الموازنات لخدمة رأس المال الكبير. السياسة هنا لا تمارس على الفقراء، بل فوقهم.

وهنا تتجلى المفارقة القاسية، أبناء الفقراء هم من يحرسون البنوك التي لن يقترضوا منها إلا بشروط قاسية، والمصانع التي لن يمتلكوا فيها سوى أجورهم الزهيدة، والمجمعات السكنية التي لن يسكنوها أبداً. يقفون في الصفوف الأولى عند كل أزمة، دفاعاً عن نظام لم يكن يوماً كريماً معهم. الفقر، في هذا السياق، لا ينظر إليه كظلم يجب إنهاؤه، بل كحالة يجب إدارتها.

أصحاب رأس المال، من جهتهم، لا يثقون بالديمقراطية الكاملة. لأن الديمقراطية، حين تقرن بالعدالة الاجتماعية، تهدد مصالحهم وامتيازاتهم. لذلك، يفضلون أنظمة هجينة، انتخابات بلا اقتصاد عادل ، تمثيل سياسي بلا توزيع للثروة ، حريات شكلية بلا مساواة . الفقراء، في هذه المعادلة، يستخدمون لإضفاء شرعية عددية على قرارات تتخذ ضدهم.

تاريخياً، كلما اقترب الفقراء من الفعل السياسي المستقل، ردت الأنظمة بالقمع أو الاحتواء. تفتح أبواب الترقي الفردي لإجهاض الفعل الجماعي. يرقى بعض أبناء الفقراء ليقال إن النظام منفتح، بينما يغلق الباب أمام الأغلبية. السياسة هنا تدار بمنطق "اصعد وحدك ولا تغير شيئاً".

وحين تفشل أدوات الاحتواء، يستدعى العنف. الفقراء أنفسهم، عبر الأجهزة التي ينتمون إليها، يستخدمون لقمع الفقراء الآخرين. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها ،الفقر يُحارب بالفقراء، والعدالة تقمع باسم النظام. لا لأن الفقير عدو للفقير، بل لأن السياسة نجحت في تفكيك وعيه الجماعي.

لكن رغم كل ذلك، لم تستطع أي منظومة سياسية، مهما بلغت قسوتها، أن تلغي حقيقة واحدة، الفقراء هم القوة الكامنة في التاريخ. هم الأغلبية الصامتة، التي حين تتحرك، تربك كل الحسابات. لهذا تخشاهم الأنظمة، حتى وهي تعتمد عليهم. ولهذا تبقيهم دائماً قريبين من الحافة، لا ليسقطوا، ولا ليصعدوا.

في تجارب الشعوب المضطهدة ، تتضاعف هذه الحقيقة، فقد أدركوا أن الفقير هو الخطر الحقيقي، لأنه لا يملك ما يخسره. لذلك، جرى تفتيته ، حصار اقتصادي، تجزئة جغرافية، إضعاف البنى الاجتماعية، وتحويل النضال إلى مسألة أمنية. ومع ذلك، ظل أبناء الفقراء وقود المقاومة، وحراس الذاكرة الوطنية.وعندما يطرح سؤال "ما لزوم الفقراء في الدنيا؟" من زاوية سياسية صافية، تكون الإجابة مرعبة في بساطتها، لزومهم أن يبقوا وقوداً، حراساً، أرقاماً، ما لم يتحولوا إلى فاعلين واعين. عندها فقط، لا يعود السؤال مطروحاً، لأن السياسة نفسها تُجبر على أن تتغير.

الفقر ليس عيباً ولا عاراً. العار هو تحويله إلى أداة. العار هو أن تستغل حاجة الإنسان ليجبر على لعب دور ضد مصلحته. في المجتمعات غير العادلة، يطلب من الفقير أن يكون صبوراً، منضبطاً، وطنياً، مضحياً، بينما يسمح  لصاحب رأس المال بأن يكون متوحشاً في جشعه، محمياً في فساده، ومبرراً في امتيازاته. يلام الفقير على فقره، ويقدم الغني كنموذج نجاح، حتى حين تكون ثروته نتاج نهب منظم، أو احتكار، أو تحالف فاسد مع السلطة.

أصحاب رأس المال يريدون دائماً أكثر مما يريد الفقراء. الفقير يطلب الأمان، لقمة عيش كريمة، تعليماً يفتح أفقاً لأبنائه، وعلاجاً لا يذله. أصحاب رأس المال يريدون قوانين تفصيلية تحمي ثروتهم، أجهزة أمنية ساهرة، قضاء قابلاً للتطويع، وإعلاماً يعيد إنتاج روايتهم. هذا الخلل في ميزان المطالب يفسر لماذا تسخر طاقات المجتمع، بما فيها طاقات الفقراء أنفسهم، لخدمة أقلية ضيقة.

الأكثر مأساوية أن أبناء الفقراء كثيراً ما يدفعون ليكونوا حماة الفساد. لا لأنهم فاسدون، بل لأن النظام يربط البقاء بالولاء. منصب صغير، ترقية، وظيفة، أو مجرد شعور بالانتماء، قد يكفي لتحويل الضحية إلى أداة. الفقير هنا لا يخرج من الهامش، بل ينقل إلى هامش آخر، أكثر خطورة، لأنه يصبح شريكاً في حماية ما يضطهده.

تاريخياً، لم تُبنَ الإقطاعيات إلا على أكتاف الفقراء. الأرض التي حرثها الفلاحون، والضرائب التي دفعوها، والعرق الذي نزفوه، كانت الأساس الحقيقي لثروة الإقطاعيين. لم يكن الفقر نتيجة كسل أو نقص أخلاق، بل نتيجة نظام ملكية جائر، جعل القلة تملك كل شيء، والأغلبية لا تملك سوى الطاعة. الإقطاعي امتلك الأرض والسلاح والقضاء، والفقير امتلك الخوف.

ورغم تغير الأسماء والأشكال، استمرت القاعدة. الأنظمة الاستبدادية الحديثة أعادت إنتاج العلاقة نفسها. استخدمت الفقراء لحمايتها من الثورات، جندتهم في أجهزتها، ومنعت عنهم التنظيم الحر، وأبقتهم في حالة حاجة دائمة. الفقر هنا يصبح وسيلة حكم، من يخشى الجوع، يخشى التمرد.

لكن التاريخ لا يسير في خط واحد. المفارقة العميقة أن الفقراء هم من صنعوا التحولات الكبرى. هم من قادوا الثورات، وحرروا الأوطان، وكسروا سلاسل الاستعمار. لأن الفقير، حين يُسلب كل شيء، لا يبقى لديه ما يخسره سوى الخوف نفسه. لذلك كانت الثورات دائماً فعل كرامة قبل أن تكون فعل سياسة.

الفقراء هم من تحملوا ظلم المستعمر والمستبد، وهم من دفعوا كلفة التحرر. ومع ذلك، حافظوا على قيم إنسانية عالية ، التضامن، التكافل، الاستعداد للتضحية. لم تكن هذه القيم خطاباً أخلاقياً، بل ضرورة للبقاء. الفقير يعرف أن النجاة فردياً مستحيلة، فيلجأ إلى الجماعة.

وفي التجربة الفلسطينية، تتجسد هذه الحقيقة بأوضح صورها. الثورة الفلسطينية لم تكن ثورة نخب مترفة، بل ثورة مخيمات ومنافي وقرى مهمشة. الشهداء ،الأسرى، الجرحى، والمناضلون، في غالبيتهم الساحقة، أبناء الفقراء. لم يحملوا السلاح حباً بالموت، بل لأنهم أدركوا أن الحياة بلا كرامة شكل آخر من الموت.

لهذا، فإن سؤال "ما لزوم الفقراء في الدنيا؟" ليس سؤالاً عن الفقراء بقدر ما هو سؤال عن الأنظمة التي تحتاجهم فقراء. هو سؤال عن عالم لا يزال يرى في الإنسان قيمة بقدر ما يخدم السلطة أو الثروة. وحين يعاد تعريف الفقير لا كأداة، بل كفاعل كامل الحقوق، يسقط السؤال من تلقاء نفسه، لأن وجود الإنسان، أي إنسان، لا يحتاج إلى تبرير.