قراءة نقدية للمادة 16 من قانون انتخابات الهيئات المحلية المُعدل بقرار

2026-01-10 20:31:21

 رغم أن التعديلات الأخيرة لقانون انتخابات الهيئات المحلية التي جاءت بقرار بقانون أتت ببعض البنود الإيجابية ، مثل تخفيض سن الترشح إلى ٢٣ عاما الأمر الذي يتيح مشاركة أوسع لقطاع الشباب العام لمجتمعنا ، ورفع نسبة تمثيل المرأة تماشيا مع دورها بالمجتمع الفِلسطيني ، واعتماد نظام القائمة المفتوحة الذي يُتيح للناخب ترتيب من يختارهم داخل القائمة التي يُصوت لها . إلا أن المادة ١٦/٢ من القانون بقرار تمثل إنتكاسة ديمقراطية تقوض حقوق المواطنة وحرية الفكر والأعتقاد ، وتخالف كل المواثيق الوطنية الدستورية ، بدءًا من الميثاق الوطني ، مرورا بوثيقة إعلان الإستقلال وصولًا إلى النظام الأساسي المُعدل ، كما الى التزامات دولة فلسطين بالعهد الدولي لحقوق الإنسان .

إن ما جاءت به المادة ١٦/٢ من القانون بقرار ينتهك جوهر الحقوق والديمقراطية الأساسية ، إذ يربط الإنتخابات للهيئات المحلية بمسألة لا علاقة للمواطن بها مباشرة ، وهي الألتزامات الدولية للدولة أو لمنظمة التحرير أو بقرارات الشرعية الدولية التي تتعرض للانتهاك والتقويم اليومين من جانب الأحتلال والولايات المتحدة والنفاق السياسي من جانب الممولين ان كان من الاتحاد الأوروبي أو غيرهم.

ورغم ان الشرعية الدولية في شأن قضيتنا التحررية تبدأ من القرار ١٨١ الأممي والقرار ١٩٤ ايضاً والمنتهكان بأصرار من دولة الأحتلال ودول الإستعمار الغربي ولا تقتصر على انتقالية حول مفهوم الشرعية الدولية . فانه ومن جانب آخر وسنداً للميثاق الوطني لمنظمة التحرير فأن كل فلسطيني بلغ الثامنة عشرة من عمره هو عضو طبيعي في منظمة التحرير الفلسطينية ، ولا يجوز وفق نص المادة ٢/١٦ ، أن تُخضَع مكانة المنظمة العُليا لأستفتاء غير مباشر ضمن تعهدات مطلوبة من مرشحين لمجالس بلديات خدماتية وتنموية ، خصوصا في ظل واقع المشاركة المنخفضة في هذه الإنتخابات عادة ، الذي لم يتجاوز معدل ٤٠% من أصحاب حق الاقتراع كما هو الحال بالدورة السابقة قبل أربع سنوات .

إضافة إلى ذلك ، فانه لا شأن للمواطن بالالتزامات الخارجية والدولية للدولة أو المنظمة ، فهذه مسؤولية الدولة والمنظمة والحكومة التي تُبرم تلك الاتفاقيات بشان الالتزامات الدولية وحدها في علاقاتها المتعددة او الثنائية ، وقد يختلف معها أي مواطن ، كما هو معمول به في كافة دول العالم دون شرط الالتزام بها ، وألا فكيف تكون هنالك معارضة سياسية حتى ولو برلمانية بشأن سياسات الحكومة والتزاماتها . فهل يُطلب على سبيل المثال لا الحصر من المواطن الأردني أو المصري أن يتعهد بالموافقة على إتفاقية وادي عربة او كامب ديفيد حتى ولو كان مرشحاً لانتخابات برلمانية أو بلدية ؟ 

إن ربط الترشيح للأنتخابات المحلية بموقف المواطنين من أي التزامات للدولة او الحكومة القائمة التي تتغير في حال سريان الأنتخابات التشريعية المفترضة دوريا وفق القانون والتي غُيبت لعقدين مضوا ، يشكل انتهاكاً مزدوجاً للديمقراطية ، أولاً عبر تقويض عضوية المواطنين الطبيعية في منظمة التحرير والتي يفترض وجودها كجبهة وطنية عريضة كممثل شرعي وحيد لشعبنا ، وثانيا عبر تحميلهم مسؤوليات والتزامات ليست من شأن أختصاصهم كأفراد .

إن هذا التعديل بالمادة ١٦ المذكورة الذي جاء بقانون بقرار لم تتضمنه مسودة القانون المُعد في وزارة الحكم المحلي بعد سلسلة من جلسات الحوار مع المجتمع الأهلي وقوى منظمة التحرير ، ولا بما تم إقراره في مجلس الوزراء من صيغة له قبل رفعه الى السيد الرئيس لأعتماده واقراره بقرار . ان القرار بقانون المشار اليه يهدد أيضا المقومات الوطنية والسياسية للهيئات المحلية ، حيث يحول مجالات العمل في هذه المجالس من كونها منصات لخدمة المجتمع وتنميته وتعزيز المشاركة المجتمعية الواسعة ، إلى أداة لإخضاع المواطنين لمواقف سياسية من الالتزامات والاتفاقيات الدولية خارج نطاق أختصاصهم أو لدور سياساتي لتلك الهيئات المحلية . كما أنه يُفرغ الانتخابات المحلية من معناها الحُر ، ويعيد إنتاج منطق الإدارة بدل المشروع الوطني بما يحمي التعددية ، وفق ما نبهت إليه جميع المواثيق الوطنية .

وفي هذا السياق ، يجب التأكيد أن أي محاولة لفرض أستفتاء أو التزام حول سياسات الدولة الخارجية على الناخبين المحليين للهيئات ، لا تتوافق مع القانون الأساسي والمواثيق الوطنية ، ولا مع المبادئ الديمقراطية الدولية التي تحمي حقوق الأفراد في التعبير عن الرأي والمشاركة دون إلزامهم بآراء أو مواقف تتجاوز صلاحياتهم من الحقوق والواجبات الأساسية .

إن المطلوب اليوم هو اعادة النظر واعادة تعديل هذا النص من المادة ٢/١٦ لضمان حماية الحقوق الديمقراطية للمواطنين كافة دون تمييز ، وفصل الانتخابات المحلية عن أي التزامات لا تخصهم ، مع الحفاظ على المكتسبات الإيجابية التي جاءت بها التعديلات ، مثل تعزيز مشاركة الشباب والمرأة ، وأعتماد نظام القائمة المفتوحة والتي يا حبذا لو ارتبطت أيضا بالإنتخاب المباشر لرئيس البلدية /الهيئة المحلية بدل أن يَخضع هذا الموقع لاحقاً لتوازنات داخل الهيئة المنتخبة قد لا تعكس رغبة الناخبين . فالمسار الديمقراطي الحقيقي لا يبدأ ويقف عند صناديق الأقتراع ، بل يتحقق حين يتم إحترام مكانة المواطن وحقوقه الطبيعية ، وحين نُحافظ على كل فلسطيني عضواً طبيعياً في منظمة التحرير دون أي قيد أو شرط إضافي وعلى استقلالية القرار والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني بعيدا عن الإملاءات . 

ويبقى السؤال هنا ، هل تلتزم الأطراف الدولية التي تحاول فرض إشتراطاتها علينا وعلى صيغة قوانينا ، بالشروط الواردة بالقانون نفسه ، بل حتى بمكانة منظمة التحرير أصلاً وبالشرعية الدولية وقراراتها وبحق تقرير المصير لشعبنا وهو ما يشكل اساس ميثاق هيئة الأمم المتحدة ؟ 

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح"